حرية ومسؤولية
أدولف هتلر سياسي ألماني من أصل نمساوي، وزعيم حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني (المعروف باسم الحزب النازي). تولى حكم ألمانيا بصفة دكتاتورية إثر تعيينه مستشاراً للبلاد عام 1933، ثم أعلن نفسه "الفوهرر" (القائد) عام 1934. يُعد هتلر من أكثر الشخصيات إثارة للجدل ودموية في التاريخ الإنساني المعاصر؛ إذ قادت سياساته التوسعية والعنصرية إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية في أوروبا باجتياح بولندا عام 1939، وكان العقل المدبر لعمليات الإبادة الجماعية الممنهجة التي عُرفت بالهولوكوست، والتي أسفرت عن مقتل ملايين البشر. انتحر هتلر في خندقه ببرلين عام 1945 عن عمر ناهز 56 عاماً لتجنب الوقوع في أسر القوات السوفييتية الزاحفة.
وُلد أدولف هتلر في 20 أبريل 1889 في بلدة براوناو آم إن النمساوية القريبة من الحدود الألمانية. كان والده، ألويس هتلر، موظفاً في الجمارك، ووالدته كلارا بولتسل. اتسمت طفولة هتلر بالتوتر بسبب شخصية والده الصارمة، وضعف مستواه الدراسي الذي أدى إلى تركه المدرسة الثانوية دون الحصول على شهادة. انتقل هتلر إلى العاصمة فيينا عام 1907 سعياً لتحقيق حلمه بأن يصبح رساماً، لكن أكاديمية الفنون الجميلة رفضت طلبه مرتين بحجة افتقاره للموهبة الكافية.[1]
عاش هتلر في فيينا حياة بائسة بين ملاجئ المشردين، وهناك تشرّب الأفكار القومية الألمانية المتطرفة ومعاداة السامية التي كانت سائدة في بعض الأوساط النمساوية آنذاك. في عام 1913، انتقل إلى ميونخ في ألمانيا، وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، تطوع في الجيش البافاري، حيث خدم كجندي مراسلة على الجبهة الغربية، ونال وسام الصليب الحديدي تقديراً لشجاعته، رغم عدم ترقيته لرتب عالية.
شكلت هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وتوقيع معاهدة فرساي عام 1919 صدمة كبرى لهتلر، الذي تبنى "أسطورة الطعنة في الظهر"، ملقياً باللوم على اليهود والشيوعيين في هزيمة بلاده. التحق بـ "حزب العمال الألماني" الصغير، وسرعان ما برز كخطيب مفوه، وتولى زعامته وغيّر اسمه إلى "حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني" (الحزب النازي).[2]
بمجرد وصوله إلى منصب المستشار، وظّف هتلر حريق مبنى الرايخستاغ (البرلمان) في فبراير 1933 ذريعةً لاستصدار مرسوم يقيّد الحريات المدنية، وتلاه تمرير "قانون التمكين" الذي منحه سلطات دكتاتورية مطلقة. قضى هتلر على جميع أشكال المعارضة السياسية والنقابية، وفي عام 1934 تخلص من خصومه داخل الحزب في أحداث "ليلة السكاكين الطويلة". وعند وفاة الرئيس هيندينبورغ، دمج هتلر منصبي المستشار والرئيس تحت مسمى "الفوهرر".
على الصعيد الخارجي، انتهك هتلر قيود معاهدة فرساي وأعاد تسليح الجيش الألماني، ثم أعاد عسكرة منطقة الراين عام 1936. وفي عام 1938، أتم عملية "الأنشلوس" بضم النمسا إلى الرايخ الثالث، ثم انتزع إقليم السوديت من تشيكوسلوفاكيا بموجب معاهدة ميونخ، قبل أن يحتل بقية أراضيها لاحقاً، مستغلاً سياسة "الاسترضاء" التي اتبعتها بريطانيا وفرنسا.
في الأول من سبتمبر 1939، أمر هتلر باجتياح بولندا، مما دفع بريطانيا وفرنسا لإعلان الحرب على ألمانيا، لتبدأ الحرب العالمية الثانية. حققت الجيوش الألمانية في البداية انتصارات كاسحة عبر تكتيك "الحرب الخاطفة" (بليتزكريغ)، فاحتلت جزءاً كبيراً من أوروبا الغربية بحلول صيف 1940. وفي يونيو 1941، اتخذ هتلر قراره الكارثي باجتياح الاتحاد السوفييتي (عملية بارباروسا)، مما أدى لفتح جبهة شرقية استنزفت قواته، خاصة بعد الهزيمة المدوية في معركة ستالينغراد عام 1943.[3]
بالتوازي مع الحرب، أمر هتلر بتنفيذ ما سُمي "الحل النهائي للمسألة اليهودية"، وهو إبادة جماعية ممنهجة داخل معسكرات الاعتقال والموت، أسفرت عن مقتل نحو ستة ملايين يهودي، إلى جانب ملايين آخرين من الغجر، والمعاقين، وأسرى الحرب السوفييت، والمعارضين السياسيين.
بحلول عام 1944، بدأ الخناق يضيق على ألمانيا بعد إنزال الحلفاء في نورماندي وتقدم القوات السوفييتية من الشرق. ورغم الانهيار الوشيك، رفض هتلر الاستسلام وأمر بمواصلة القتال حتى النهاية، ونجا بصعوبة من محاولة اغتيال بتفجير قنبلة دبرها ضباط ألمان (مؤامرة 20 يوليو). وفي أواخر أبريل 1945، ومع وصول القوات السوفييتية إلى قلب برلين، تحصن هتلر في قبو الفوهرر، وتزوج من عشيقته إيفا براون، ثم انتحرا معاً في 30 أبريل.
إن هتلر لم يترك وراءه سوى الدمار المطلق؛ لقد حوّل ألمانيا إلى أنقاض، وغيّر الخريطة الجيوسياسية للعالم، وجعل اسمه مرادفاً للشر الخالص في الذاكرة الإنسانية.
إيان كيرشو، مؤرخ بريطاني
تُعد فترة حكم هتلر من أحلك الحقب في التاريخ، وقد أدى الدمار الذي خلّفته الحرب إلى تقسيم ألمانيا، وظهور الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كقوتين عظميين، وبدء حقبة الحرب الباردة. كما أسهمت فظائع النازية في الدفع نحو تأسيس الأمم المتحدة وصياغة الإعلانات الدولية لحقوق الإنسان لضمان عدم تكرار تلك المآسي.[4]