حرية ومسؤولية
جمال عبد الناصر (1918 – 1970) هو ثاني رؤساء مصر وقائد ثورة 23 يوليو 1952، توفي عن اثنين وخمسين عاماً إثر أزمة قلبية حادة بعد مسيرة سياسية وعسكرية استثنائية بدّلت ملامح الشرق الأوسط. قاد حركة التحرر الوطني العربي ضد الاستعمار الغربي، وتبنّى مشروع القومية العربية والعدالة الاجتماعية، كما أدى دوراً محورياً على الساحة الدولية كأحد مؤسسي حركة عدم الانحياز[1].
ولد جمال عبد الناصر حسين في 15 يناير 1918 بحي باكوس في مدينة الإسكندرية، وتعود جذور أسرته إلى قرية بني مر بمحافظة أسيوط في صعيد مصر[1]. تنقل خلال طفولته بين الإسكندرية وأسيوط والقاهرة بحكم عمل والده في مصلحة البريد، وهو ما منحه اطلاعاً مبكراً على واقع المجتمع المصري وتناقضاته الطبقية إبان فترة الهيمنة البريطانية والملكية.
تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في مدارس عدة، وأظهر خلال مرحلة دراسته بمدرسة النهضة الثانوية في القاهرة اهتماماً بالغاً بالنشاط الوطني، حيث شارك في المظاهرات المناهضة للاحتلال الإنجليزي عام 1935 وأصيب خلال إحداها. بعد حصوله على شهادة الثانوية، حاول الالتحاق بالكلية الحربية في مارس 1937 لكنه رُفض في البداية، فدرس القانون لفترة وجيزة في كلية الحقوق، قبل أن ينجح في الانضمام إلى الكلية الحربية إثر تغيير شروط القبول، وتخرج فيها برتبة ملازم ثانٍ في يوليو 1938[2].
خدم عبد الناصر في وحدات عسكرية مختلفة في منقباد بالصعيد والسودان والعلمين، حيث التقى برفاق دربه عبد الحكيم عامر وأنور السادات وصلاح سالم. شكّلت مشاركته في حرب فلسطين عام 1948 محطة فارقة في تشكيل وعيه السياسي والعسكري، إذ حوصرت كتيبته في "جيب الفالوجة" وأظهر صموداً لافتاً، وخرج من تلك المعركة بقناعة راسخة بأن مواجهة الاستعمار تبدأ من التخلص من الفساد السياسي الداخلي في القاهرة[2].
عقب عودته من فلسطين، عُين مدرساً في كلية أركان الحرب، واستأنف نشاطه السري بتأسيس الهيئة التأسيسية لحركة "الضباط الأحرار" أواخر عام 1949، متولياً قيادة لجنتها التنفيذية وموجهاً خططها للإطاحة بالحكم الملكي.
أحدثت حقبة عبد الناصر تحولات هيكلية جذرية في المشهد المصري والعربي عبر حزمة من السياسات التنموية والاجتماعية التي عُرفت بـ"الناصرية":
إن حرية الكلمة هي المقدمة الأولى للديمقراطية، ولكن حرية رغيف الخبز هي الضمان الأكيد لحرية التصويت.
جمال عبد الناصر، ميثاق العمل الوطني (1962)
واجهت تجربة عبد الناصر السياسية والاقتصادية نقاشات تاريخية حادة ومتباينة بين أنصاره ومعارضيه. انتقد باحثون وسياسيون غياب التعددية الحزبية وحل الأحزاب السياسية، وحصر السلطة في يد حزب الدولة الواحد ومجلس قيادة الثورة، إلى جانب التضييق الواسع على المعارضة السياسية، لاسيما جماعة الإخوان المسلمين والشيوعيين والوفديين، وما رافقها من محاكمات استثنائية وتوسع المعتقلات السياسية وأجهزة الأمن[3].
وعلى الصعيد العسكري والسياسي، وُجهت لانتقادات لاذعة إدارته للأزمات الاستراتيجية التي قادت إلى انهيار الوحدة مع سوريا عام 1961، وتورط القوات المصرية في حرب اليمن المكلفة بشرياً ومالياً، وصولاً إلى الإخفاق الكارثي في نكسة يونيو 1967 التي أدت إلى احتلال سيناء والضفة الغربية وغزة وهضبة الجولان. كما رأى اقتصاديون أن سياسات التأميم الشامل والتخطيط المركزي خلقت قطاعاً عاماً متضخماً أثقل كاهل الموازنة على المدى الطويل.
أعلن جمال عبد الناصر تنحيه التام عن الحكم في خطاب متلفز مؤثر مساء 9 يونيو 1967 متحملاً المسؤولية الكاملة عن النكسة، إلا أن ملايين المواطنين خرجوا في مظاهرات شعبية عارمة في شوارع القاهرة والمدن العربية تطالبه بالبقاء في موقعه، فتراجع في اليوم التالي مواصلاً قيادة مرحلة إعادة بناء القوات المسلحة وإطلاق حرب الاستنزاف.
توفي جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970 إثر نوبة قلبية مفاجئة عقب وداعه لأمير الكويت في مطار القاهرة بعد اختتام قمة جامعة الدول العربية الطارئة التي عقدت لرأب الصدع في أحداث "أيلول الأسود" بالأردن. تحولت جنازته في الأول من أكتوبر 1970 إلى واحدة من أضخم الجنازات الشعبية في تاريخ العالم الحديث، بمشاركة قُدرت بملايين المشيعين وبحضور قادة ورؤساء من شتى أنحاء العالم[1].
ظل عبد الناصر رمزاً ملهماً لمشاعر الكرامة الوطنية والسيادة لدى شرائح واسعة من الشعوب العربية والإفريقية، وترك تأثيراً عميقاً في الفكر القومي التحرري لا يزال موضوعاً حياً للدراسة والتقييم في التاريخ السياسي المعاصر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات