حرية ومسؤولية
هآرتس – كشف تحقيق ميداني نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية تفاصيل توسع الانتشار العسكري للجيش الإسرائيلي جنوب سوريا، حيث تفرض القوات وجوداً أمنياً على مساحة 600 كيلومتر مربع، يرافقه دهم ليلي وتوقيف عشرات المواطنين وعرقلة الإنتاج الزراعي في بلدات القنيطرة وريف درعا الغربي.
بدأ هذا التموضع الميداني بالتوسع التدريجي منذ أواخر عام 2024، معيداً رسم خرائط السيطرة على طول الشريط الحدودي الجنوبي. شيدت القوات تسع نقاط عسكرية محصنة، مما جعل التجمعات السكانية والقرى المجاورة خاضعة لمراقبة مستمرة واحتكاك يومي مباشر مع الدوريات العسكرية المتوغلة داخل الأراضي السورية.
يرتبط هذا التحرك بسياق أمني متصاعد تسعى إسرائيل من خلاله إلى فرض [[حزام أمني|نطاق جغرافي عازل لحماية الحدود]] يمتد عميقاً في الجنوب السوري. تبرر القيادة الإسرائيلية تلك الإجراءات باعتبارات حماية الجولان ومنع ترسيخ وجود تشكيلات مسلحة، غير أن التداعيات المباشرة وقعت على المدنيين وأنشطتهم المعيشية الأساسية.
شهدت المنطقة تحولات ميدانية متسارعة طالت خطوط التماس الفاصلة، مما خلق واقعاً جغرافياً ضاغطاً على حركة القرويين وتنقلاتهم اليومية. أدت التحصينات الترابية ونقاط الرصد المستحدثة إلى عزل مساحات شاسعة، وتراجع مستوى الأمان لدى العائلات القاطنة في البلدات المحاذية لتلك النقاط التي باتت تشهد انتشاراً عسكرياً مكثفاً.
أظهرت بيانات مركز سجّل الحقوقي تسجيل 248 حالة توقيف لمواطنين سوريين بين 8 ديسمبر 2024 و1 سبتمبر 2026. نُقل أكثر من 60 معتقلاً إلى مراكز احتجاز وسجون داخل إسرائيل والضفة الغربية، من بينها منشآت سدي تيمان وسجن كيشون، فضلاً عن سجن عوفر، قبل أن يُفرج عن غالبيتهم لاحقاً.
تفيد شهادات الأهالي الميدانية باقتحام المنازل السكنية في ساعات الليل المتأخرة، وتفتيش دقيق للهواتف المحمولة وتصوير وجوه المارة عند حواجز مفاجئة. وثق صحفيون محليون هدم 17 منزلاً في ريف القنيطرة ودرعا، إلى جانب توقيف فتيان قاصرين، كما حدث مع الفتى علي البشير بعد دهم منزل أسرته.
نقلت صحيفة هآرتس عن الجيش الإسرائيلي تأكيده أن الأنشطة تستند إلى توجيهات المستوى السياسي وتقييمات أمنية مسبقة، وتستهدف المشتبه في صلتهم بتحركات معادية. أضاف الجيش أنه يعيد غير المتورطين إلى بلداتهم بعد استكمال الاستجواب، بينما رفضت مصلحة السجون الإسرائيلية التعليق على قضايا الموقوفين الأمنيين أو أماكن احتجازهم.
أثارت تلك التوقيفات قلقاً متزايداً بين العائلات المحلية التي تعاني من غياب المعلومات الرسمية حول مصير ذويها المحتجزين. يترافق ذلك مع استمرار الدوريات الراجلة والآلية في تسيير حملات تفتيش دورية داخل الأحياء السكنية، مما جعل الحياة اليومية محفوفة بالترقب المستمر ومخاوف التوقيف المفاجئ.
انعكست الإجراءات الميدانية سلباً على النشاط الزراعي في محافظة القنيطرة والمناطق المحاذية لمنطقة [[وادي اليرموك|حوض نهري يشكل حدوداً طبيعية]]، حيث حرم مئات المزارعين من الوصول إلى حقولهم القريبة من السياج الحدودي. أدى تجريف الأراضي ومرور المدرعات إلى تدمير مساحات من المراعي ومناحل العسل التي يعتمد عليها السكان المحليون.
يواجه المزارعون صعوبات متزايدة في ري مزروعاتهم أو جمع محاصيلهم الموسمية جراء إطلاق النار التحذيري المستمر من المواقع العسكرية. يشكل هذا الحصار الميداني ضربة قوية لمصادر الدخل الريفي، في بيئة اقتصادية تعتمد بصورة رئيسية على الإنتاج الزراعي وتربية الماشية لتأمين متطلبات العيش.
تسبب تعطل الأعمال الحقلية في انخفاض حاد في تدفق السلع الغذائية نحو الأسواق المحلية القريبة، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وندرة بعض المواد الطازجة. تزداد الأعباء الاقتصادية على الأسر الريفية مع استمرار تعذر الوصول إلى الآبار الارتوازية وشبكات الري الواقعة ضمن النطاق العسكري الخاضع للسيطرة الميدانية المباشرة.
يرى مراقبون أن ترسيخ تسع نقاط عسكرية دائمة قد يكرس أمراً واقعاً يهدد استقرار الجنوب، ويقوض تفاهمات فك الاشتباك المعمول بها منذ عقود. قد يسفر استمرار التضييق الأمني وعمليات الهدم عن موجات نزوح سكاني داخلي جديدة نحو بلدات العمق السوري، بحثاً عن مقومات الأمان والاستقرار.
من المتوقع أن تبقى المنطقة الجنوبية ساحة تجاذب واحتكاك ميداني في ظل غياب أفق سياسي ينهي هذا التوغل. وينتظر السكان المحليون خطوات وتدخلات وضغوطاً دولية تخفف القيود الأمنية الخانقة، وتتيح لهم العودة إلى أراضيهم واستئناف مصادر رزقهم المصادرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات