حرية ومسؤولية
سورة آل عمران هي السورة الثالثة في الترتيب القرآني العثماني، وهي من سور الطوال المدنية، ويبلغ عدد آياتها مائتي آية. عُنيت السورة الكريمة بإرساء دعائم العقيدة الإسلامية، ومحاجة أهل الكتاب، وتثبيت المؤمنين عقب أحداث غزوة أحد، وتُمثل مع سورة البقرة ما يُعرف بـ"الزهراوين" لما لهما من فضل ومكانة جليلة في الثقافة الإسلامية.
اقرأ نص سورة آل عمران كاملاً برواية حفص عن عاصمسُميت هذه السورة بـ"آل عمران" لورود قصة أسرة عمران الفاضلة فيها، وتفصيل أحوال والدة مريم العذراء، وولادة مريم، ونشأة المسيح عيسى بن مريم عليهم السلام، وما تجلى في ذلك من مظاهر القدرة الإلهية المطلقة والاصطفاء[1]. وقد تعددت أسماؤها الاجتهادية في كتب التفسير والسيرة:
تُصنف السورة على أنها مدنية بإجماع المفسرين، إلا أن آياتها لم تنزل دفعة واحدة، بل تفرقت على امتداد سنوات العهد المدني. وقد تناولت السورة حدثين مفصليين شكّلا سياق نزول قسم كبير منها:
ترتيب النزول مسألة اجتهادية لا توقيفية، وقد رُوي أنها نزلت بعد سورة الأنفال ليكون ترتيبها التاسع والثمانين، لكن امتداد زمن نزول آياتها المتفرقة يجعل من العسير حصرها في رقم قاطع واحد.
تزخر سورة آل عمران بمقاصد كبرى تشكل الأساس التشريعي والعقائدي للمجتمع المسلم المتنامي في المدينة، وتتفرع هذه المقاصد إلى عدة محاور:
وتُمثل هذه الآية الكريمة، التي وردت في خواتيم السورة، ذروة المقصد التربوي في استثارة الفطرة السليمة للتفكر في بديع صنع الله المنظم لهذا الكون المترامي.
تُفتتح السورة بالحروف المقطعة ﴿الم﴾، وتمتاز بأسلوبها الحجاجي الرصين الذي يجمع بين الترهيب من الزيغ والترغيب في الثبات. كما تستخدم القصة القرآنية (كقصة زكريا، ومريم، وعيسى) كأداة بيانية لعرض المعجزات الإلهية، لا سيما في الحوارات الثنائية التي تنقل القارئ إلى عمق المشهد الروحي، كمناجاة امرأة عمران لربها، ودعاء زكريا في المحراب.
تناول المفسرون والقراء بعض المسائل المرتبطة بالسورة باختلاف وتفصيل، ومن أبرزها في علم الفواصل (عدّ الآيات):
ذهب قراء الكوفة إلى عدّ الحروف المقطعة "الم" آية مستقلة في فواتح السور التي وردت فيها كسورة آل عمران، بينما ذهب قراء المدينة ومكة والشام إلى أنها ليست آية برأسها، بل هي جزء من الآية التي تليها، وهو ما يفسر استقرار العدد الكوفي على 200 آية، واختلاف أرقام الأعداد الأخرى.
وردت نصوص كثيرة في السنة النبوية تبين فضل سورة آل عمران ومنزلتها. فقد ورد في الحديث الصحيح الحث على قراءتها مع سورة البقرة، ووصفهما بالزهراوين اللتين تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، تحاجان عن أصحابهما[4]. كما رُوي عن بعض الصحابة والتابعين فضائل جمّة لقراءتها وقيام الليل بها.
إنها كنزٌ للصعلوك؛ يقوم بها الرجل في آخر الليل.
أثر موقوف عن عبد الله بن مسعود ذكره القرطبي في تفسيره