حرية ومسؤولية
وصل وفد تركي رفيع المستوى إلى العاصمة السورية دمشق في زيارة تهدف لتوقيع مذكرة تفاهم اقتصادية شاملة، تشكل أول اختراق دبلوماسي ملموس في مسار تطبيع العلاقات المتأزمة منذ سنوات. تتضمن المذكرات بنوداً لتنشيط التبادل التجاري وتسهيل عبور الشاحنات عبر المنافذ الحدودية، بالإضافة إلى تنسيقٍ تقني لإصلاح خطوط إمداد الطاقة التي تأثرت بظروف الحرب.
تأتي هذه الزيارة في توقيت دقيق يعكس رغبة أنقرة ودمشق في إعادة ترتيب أوراقهما الاقتصادية بعيداً عن ضجيج التجاذبات السياسية. تمتلك تركيا رغبة ملحة في تأمين أسواق تصديرية جديدة لمنتجاتها الصناعية والزراعية، بينما تبحث دمشق عن حليف إقليمي يعزز قدرتها على استيراد المواد الأساسية بأقل تكلفة ممكنة، خاصة في ظل العزلة التي تفرضها العقوبات الدولية. تعيد هذه الخطوة إحياء "اتفاقية التجارة الحرة" التي كانت سائدة قبل عام 2011، والتي كانت تجعل من الحدود السورية التركية شرياناً حيوياً يربط أوروبا بالشرق الأدنى. لا يخفى على أحد أن التنسيق الاقتصادي غالباً ما يسبق التفاهمات السياسية الكبرى، وهو ما قد يمهد الأرضية لعودة الاستثمارات التركية إلى الأسواق السورية في قطاعات البناء، والطاقة، والصناعات الغذائية. نجاح هذه المذكرة يعني فعلياً اعترافاً متبادلاً بضرورة التهدئة لإنقاذ الاقتصاديات المحلية من الانهيار، خاصة بعد أن أثبتت سنوات القطيعة أن الخسائر المتبادلة كانت فادحة للطرفين، وأن الجغرافيا لا ترحم من يختار سياسة الجسور المقطوعة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات