حرية ومسؤولية
فارس بن يعقوب الخوري (1877-1962)، هو عالم وزعيم وطني سوري، يُعد أحد الآباء المؤسسين للجمهورية السورية ومن قادة الكتلة الوطنية التي حاربت الانتداب الفرنسي. شغل منصب رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب في فترات متعددة، وله إسهامات كبيرة في تأسيس الدولة السورية الحديثة، بما في ذلك وزارة المالية، وكلية الحقوق في جامعة دمشق، ونقابة المحامين، والمشاركة في تأسيس الأمم المتحدة عام 1945. يُعتبر فارس الخوري أحد أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ سوريا الحديث، حيث جمع بين الفكر القانوني والسياسي والاقتصادي، وترك بصمة واضحة في مسيرة الاستقلال وبناء الدولة.
النشأة والتعليم
وُلِد فارس الخوري في قرية الكفير على سفح جبل حرمون عام 1877، لعائلة مسيحية بروتستانتية. تلقى تعليمه المبكر في مدارس قريته، ثم في المدرسة الأميركية في صيدا، حيث تخرج عام 1890. بعد ذلك، التحق بالجامعة الأميركية في بيروت، وتخصص في علم الرياضيات. عمل بعد تخرجه مدرساً في مجدل شمس والبترون، ثم مديراً لمدرسة الآسية التابعة لبطريركية أنطاكية للروم الأرثوذكس في دمشق، ومدرساً في ثانوية مكتب عنبر، وعمل أيضاً مترجماً في القنصلية البريطانية.
في عام 1908، قرر دراسة الحقوق بشكل شخصي، دون الالتحاق بأي جامعة، من خلال قراءة كتب القانون ومعاشرة كبار القضاة والمحامين. برع في هذا المجال، وفتح مكتباً للمحاماة مع المحامي أمين زيدان، وأصبح مرجعاً في القانون الدولي، ليصبح من الآباء المؤسسين لكلية الحقوق في جامعة دمشق، حيث درّس من عام 1919 حتى 1940، وعُين عميداً للكلية.
المسيرة السياسية في العهد العثماني
بدأ الخوري مسيرته السياسية في عام 1910، عندما انتُخب عضواً في بلدية دمشق. في عام 1914، رشح نفسه لمجلس المبعوثان في إسطنبول، وفاز بالمقعد المسيحي ممثلاً عن دمشق، رغم قلّة معرفته باللغة التركية. خلال الحرب العالمية الأولى، اصطدم مع جمال باشا الحاكم العسكري لولاية سوريا بسبب نزعته العروبية، وكان مقرّباً من الجمعية العربية الفتاة ومناصراً للثورة العربية الكبرى. استجوبه جمال باشا وسجنه مع قادة جمعية الفتاة، ثم وُضع تحت الإقامة الجبرية في اسطنبول، وعاد إلى دمشق قبل أيام من سقوط الحكم العثماني عام 1918.
العمل السياسي في عهد الانتداب الفرنسي
بعد دخول الفرنسيين إلى سوريا، شارك الخوري في تأسيس حزب الشعب عام 1925 مع الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، وانتخب نائباً للرئيس. في عام 1926، عُين وزيراً للمعارف في حكومة أحمد نامي، لكنه اعتُقل ونُفي إلى الحسكة ثم إلى لبنان بتهمة التخابر مع الثوار. بعد خروجه من المعتقل، انضم إلى الكتلة الوطنية عام 1927، وأصبح "عميداً" للكتلة.
لعب الخوري دوراً بارزاً في الإضراب الستيني عام 1936، الذي أجبر فرنسا على التفاوض مع الكتلة الوطنية. شارك في وفد الكتلة إلى باريس، وتوصل إلى معاهدة 1936 التي نصت على استقلال تدريجي لسوريا. وبعد عودة الوفد، انتُخب رئيساً للبرلمان، ليصبح أول مسيحي يعتلي سدة السلطة التشريعية في سوريا.
رئاسة الوزراء والمساهمات الوطنية
تولى فارس الخوري رئاسة الوزراء لأول مرة في 14 أكتوبر 1944، وشكل حكومة مصغرة مؤلفة من أربع وزراء، وتولى فيها حقائب المعارف والداخلية بنفسه. في عام 1945، توجه إلى نيويورك للمشاركة في تأسيس منظمة الأمم المتحدة، وترأس الوفد السوري الدائم، ولعب دوراً محورياً في رفع صوت سوريا في المحافل الدولية، مطالباً باستقلال كامل من دون أي معاهدة مع فرنسا. بعد جلاء الفرنسيين عن سوريا في 17 أبريل 1946، وضع كامل ثقله خلف القضية الفلسطينية، وعارض قرار تقسيم فلسطين عام 1947.
في عام 1954، عاد الخوري إلى رئاسة الوزراء في حكومة وطنية، لكنه استقال في فبراير 1955 بعد حملة عنيفة شنها حزب البعث ضده بسبب موقفه الحيادي من حلف بغداد.
الإسهامات الاقتصادية والاجتماعية
من أبرز إسهامات الخوري الاقتصادية، تأسيس مشروع عين الفيجة لتوفير مياه الشرب النظيفة لأهالي دمشق، وتأسيس معمل الإسمنت في منطقة دمر، الذي وفر دخلاً للكتلة الوطنية ودعم عائلات الشهداء. كما أسس وزارة المالية السورية ووضع أول موازنة للدولة السورية عام 1920.
الحياة الشخصية والوفاة
تزوج فارس الخوري من أسماء عيد، وأنجب ابنه الوحيد سهيل الخوري، الذي أصبح وزيراً. حفيدته هي الأديبة كوليت خوري، التي جمعت أوراقه ومذكراته في ثلاثة أجزاء. توفي فارس الخوري في 2 يناير 1962، وشُيعت جنازته بمراسم رئاسية، حيث خرج نعشه المجلل بالعلم السوري على عربة مدفع، وتقدم المشيعين الرئيس ناظم القدسي والرئيس الأسبق شكري القوتلي. أُطلق اسمه على شارع كبير في دمشق، وصدرت عنه عدة كتب، من أبرزها "فارس الخوري: حياته وعصره" و"فارس الخوري وأيام لا تنسى".
— سيرة ذاتية من إعداد "الموسوعة لـ Syria24.News" —
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات