حرية ومسؤولية
في لقاء دبلوماسي رفيع المستوى بالعاصمة الألمانية برلين، اليوم الاثنين 30 آذار، بحث وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني مع نظيره الألماني يوهان فاديفول سبل الانتقال من "الإغاثة الإنسانية" إلى "التنمية المستدامة".
وتركزت المباحثات، التي تأتي ضمن الزيارة الرسمية للرئيس الانتقالي أحمد الشرع، على تفعيل دور المجتمع الدولي في تمويل مشاريع إعادة الإعمار الحيوية، وتذليل العقبات اللوجستية أمام الشركات الألمانية الراغبة في دخول السوق السورية.
وبالتوازي مع الحراك الدبلوماسي، أضفى الرئيس الشرع بُعداً شعبياً على الزيارة بلقائه وفداً من الجالية السورية في برلين، مؤكداً على دور المغتربين كجسر حيوي لنقل الخبرات والتكنولوجيا.
إن هذا التنسيق المباشر بين الشيباني وفاديفول يعكس رغبة برلين في قيادة قاطرة الدعم الأوروبي لدمشق، شريطة الالتزام بمسار الإصلاح المؤسساتي، مما يفتح الباب أمام استثمارات مليارية قد تغير وجه الاقتصاد السوري في غضون الأشهر الـ 12 القادمة، ويحول "برلين" من منفي للاجئين إلى شريك استراتيجي في بناء الدولة السورية الحديثة.
هذه المقارنة، التي وصفت بـ "الكارثية"، فجّرت غضباً عارماً داخل التحالف المسيحي. ففي حين يضغط المستشار فريدريش ميرتس بقوة لتسريع ترحيل "الجناة" السوريين مؤكداً انتهاء الحرب، جاءت "الصحوة الإنسانية" لوزيره لتقوّض هذه الرواية.
لقد كشف فاديفول عن استحالة عودة كريمة للاجئين، مما أغضب النواب الذين وصفوا ظهوره بـ "السيء".
ورغم محاولته المتأخرة لتدارك الموقف وتأكيد دعمه لترحيل الخطرين أمنياً، إلا أن الصمت المطبق الذي قوبلت به مقارنته بـ 1945 يشي بعمق الأزمة: أزمة بين الواقع المرير على الأرض، والسياسة الباردة التي تبحث عن حلول سريعة لملف اللاجئين.
ميرتس، وبلهجة تخاطب قاعدته الداخلية المتشددة، أعلن أن "الحرب انتهت" وأن ألمانيا "ستبدأ بالتنفيذ العملي" لترحيلهم. هذه الدعوة هي "جزرة وعصا" بامتياز؛ فمقابل استعادة اللاجئين (طوعاً أو قسراً)، تلوّح برلين بـ"دعم سريع لإعادة الإعمار"، لأن سوريا "تحتاج أبناءها" لإعادة البناء.
هذا الموقف المتشدد يتجاهل ببرود تقرير وزير خارجيته "فاديفول" الذي عاد للتو من دمشق ليؤكد أن الدمار هائل والعودة "محدودة جداً". إنه فصل جديد من "الواقعية السياسية" الألمانية، حيث تتغلب ضغوط الهجرة الداخلية على الحقائق الإنسانية على الأرض، ويضع الشرع أمام اختبار صعب: هل يقبل بصفقة "الإعمار مقابل الترحيل"؟
هذه الصدمة الإنسانية تحولت فوراً إلى قرار سياسي حاسم؛ عودة اللاجئين السوريين "مستحيلة" في المدى القصير، فالبنية التحتية مدمرة و"الناس بالكاد يستطيعون العيش بكرامة".
لكن ألمانيا، التي تدرك أن "ما يحدث في سوريا يؤثر مباشرة علينا"، لن تقف متفرجة. لقد أعلنت عن حزمة مساعدات فورية بنحو 40 مليون يورو لسوريا (ضمن 81 مليوناً هذا العام)، ستذهب مباشرة لإزالة الألغام، وتأمين الغذاء والمأوى.
إنها رسالة مزدوجة: نعم، الشباب السوري المندمج "مرحب به" في ألمانيا، لكننا سندفع الملايين لإعادة بناء "أساس جديد" لوطنهم، وهو أساس يبدأ بـ "الغذاء" ويمر عبر "محاسبة" مرتكبي جرائم عهد الأسد.