حرية ومسؤولية
دمشق – كشف وزير النقل السوري يعرب بدر عن خطط طموحة لإعادة تفعيل حركة الترانزيت الطرقي والسككي، مع توقعات بتحقيق نتائج ملموسة قبل نهاية العام المقبل، في خطوة تعيد سوريا إلى قلب شبكة التجارة الإقليمية بعد سنوات من الانقطاع وتدمير البنية التحتية.
الوزير بدر أوضح أن الموقع الجغرافي لسوريا جعلها لعقود ممراً رئيسياً يربط أوروبا بالخليج، حيث كانت حركة الشاحنات سنوياً تتراوح بين 100 و115 ألف شاحنة بين تركيا والأردن، بينما عمل قطاع السكك الحديدية عبر خط طرطوس - أم قصر العراقي عام 2009.
اليوم، ومع مذكرة التفاهم الموقعة مع تركيا والأردن، يجري العمل على تعزيز الترانزيت البري فوراً، بينما يتطلب إعادة تشغيل السكك الحديدية وقتاً أطول بسبب الدمار الهائل.
الوزير كشف عن مفاوضات مع البنك الدولي للحصول على منح بين 65 و200 مليون دولار لدعم السكك الحديدية، وإمكانية إصلاح الخط الحجازي التاريخي مع الأردن قبل نهاية 2026 بشرط تنفيذ الدعم التركي الموعود.
أما الحل الاستراتيجي، فهو إنشاء خط سكة حديد جديد بمواصفات حديثة يربط دمشق بالحدود الأردنية ثم السعودية، بتكلفة تصل إلى مئات الملايين، إضافة إلى ربط الموانئ السورية بالمناطق الداخلية عبر عدرا وحسياء وحلب. سوريا التي كانت شرياناً تجارياً، تستعد اليوم لاستعادة نبضها، وكل الأنظار تتجه نحو وعود 2026.
تثير التطورات الدبلوماسية والاقتصادية المتلاحقة في العاصمة دمشق قراءات استراتيجية لافتة حول حجم وسرعة تدفق الشركات الغربية الكبرى نحو سوق إعادة الإعمار السورية؛ إذ عُقد في مبنى وزارة النقل بدمشق اليوم، الثلاثاء 19 أيار 2026، اجتماع رفيع المستوى جمع وزير النقل السوري، يعرب بدر، مع وفد شركة "KBR" الأمريكية العملاقة المتخصصة في الأعمال الإنشائية والاستشارات الهندسية، ممثلة بمسؤول الاستراتيجية والتطوير الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط ديفيد إدجينتون.
ويكتسب هذا اللقاء أهمية استثنائية لكونه يمثل أول اختراق رسمي لافت لشركات البناء والاستشارات الأمريكية نحو المؤسسات الحكومية السورية عقب الرفع التاريخي للعقوبات الأوروبية والأمريكية عن الكيانات السيادية في البلاد.
وتركزت المباحثات بين الجانبين حول سبل الاستفادة من الخبرات العالمية للشركة الأمريكية في تحديث وتطوير شبكات الطرق والبنية التحتية، حيث استعرض الوزير بدر حزمة من المشاريع الاستراتيجية الحيوية التي تشكل عصب الاقتصاد السوري، وفي مقدمتها المحاور البرية الكبرى (شمال–جنوب وغرب–شرق)، وطريق دمشق–حلب الدولي، بالإضافة إلى تحديث وتأهيل شبكات السكك الحديدية، وتحديث الدراسات الاقتصادية القديمة التي لم تعد تواكب المتغيرات الراهنة، وفي مقدمتها دراسة "بارسون" الشهيرة الصادرة عام 2008.
وشدد الجانب السوري خلال الاجتماع، الذي حضره مدير المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية معاذ نجار، ومدير النقل البري علي أسبر، على الموقع الجغرافي الحيوي الذي تمتلكه سوريا باعتبارها الممر التقليدي والاستراتيجي الأقصر لربط دول الخليج العربي بالقارة الأوروبية، ودورها الأساسي في ضمان استمرارية واستدامة سلاسل الإمداد والتوريد العالمية وتقليل زمن الشحن البري والبحري.
واتفق الطرفان في ختام المباحثات على تشكيل لجان فنية مشتركة لعقد اجتماعات لاحقة تحدد الاحتياجات والجدوى الاقتصادية بدقة، وبدء إجراءات تسجيل الشركة الأمريكية رسمياً ضمن المنصات الحكومية تمهيداً للمنافسة على إعلانات المشاريع والمناقصات المستقبلية، مما يؤكد أن دمشق تكرس موقعها الجديد كحلقة وصل إقليمية جاذبة للاستثمارات الدولية الكبرى لطي صفحة الحرب تماماً.
في خطوة دبلوماسية ولوجستية رفيعة المستوى، عقد وزير النقل السوري، يعرب بدر، مباحثات "عن بُعد" مع وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي، صالح بن ناصر الجاسر، تركزت على صياغة مستقبل النقل البري والسككي بين البلدين.
وتأتي هذه المباحثات لتضع النقاط على الحروف فيما يخص مشاريع الربط الإقليمي، حيث ناقش الجانبان سبل تذليل العقبات أمام حركة الشاحنات وتطوير الممرات البرية التي تربط الشمال السوري عبر الأردن وصولاً إلى الأراضي السعودية والخليج.
وشدد الوزير بدر خلال اللقاء على أن إحياء الخط السككي الواصل من دمشق إلى الحدود الأردنية يمثل أولوية قصوى، رغم اعترافه بأن المسار يحتاج إلى "إعادة تأهيل وتحديث تدريجي" ليتوافق مع المعايير الدولية الحديثة.
وأشار إلى أن ضخامة الاستثمارات المطلوبة لهذا المشروع تتطلب جهوداً مشتركة وتعاوناً إقليمياً واسعاً، مؤكداً أن الخطط المستقبلية لا تهدف فقط لربط الجوار، بل لدمج الشبكة السورية ضمن منظومة سككية عالمية تربط تركيا وأوروبا بدول مجلس التعاون الخليجي.
من جانبه، أبدى الجانب السعودي اهتماماً واضحاً بتطوير الإجراءات التنظيمية وتسهيل حركة البضائع، بما يعزز موقع سوريا كممر إقليمي حيوي.
إن هذا الحراك السوري-السعودي المكثف في قطاع النقل يرسل إشارة قوية للأسواق الدولية بأن "ممر التجارة العربي" بات حقيقة قيد التنفيذ، وأن التكامل السككي سيصبح قريباً البديل الأكثر كفاءة واستدامة لنقل البضائع، مما يفتح آفاقاً اقتصادية غير مسبوقة لجميع دول المنطقة في عام 2026.
في خطوة استراتيجية تهدف إلى مواكبة التحولات الاقتصادية الكبرى في المنطقة، كشف وزير النقل السوري، يعرب بدر، عن بدء الوزارة بإجراء تقييم فني وهندسي شامل للطريق الدولي السريع الذي يربط الحدود الأردنية بالحدود التركية مخترقاً العمق السوري.
هذا المشروع الضخم يسعى لتشخيص الحالة الفنية للجسور والمسارات والأنفاق، تمهيداً لإطلاق عملية تأهيل شاملة ترفع مستوى الطريق ليتوافق مع المعايير الدولية، بما يضمن استيعاب قوافل الشحن العملاقة وحركة الترانزيت التي بدأت تتدفق بكثافة عقب استقرار الأوضاع السياسية والميدانية.
وأوضح الوزير أن هذه التحركات الميدانية تأتي تنفيذاً لمذكرة التفاهم الثلاثية الموقعة في عمّان يوم 7 نيسان الجاري بين سوريا والأردن وتركيا.
وتهدف هذه المذكرة إلى تبسيط الإجراءات الحدودية وتوحيد المعايير اللوجستية، مما يقلل من زمن العبور والتكاليف التشغيلية لشركات النقل الدولية.
إن هذا التنسيق الإقليمي يعكس نضج الرؤية السورية الجديدة التي تضع "دبلوماسية النقل" في مقدمة أدواتها لاستعادة الدور الريادي لدمشق كحلقة وصل لا غنى عنها بين موانئ المتوسط والخليج العربي.
ولم يتوقف طموح وزارة النقل عند الطرق البرية فحسب، بل كشف الوزير بدر عن ملامح "خارطة طريق إقليمية" للربط السككي؛ إذ تسعى دمشق لتفعيل خطوط السكك الحديدية التي تربط تركيا بالأردن والسعودية عبر الأراضي السورية.
هذا المشروع الذي يمثل إحياءً حديثاً لـ "خط سكة حديد الحجاز" التاريخي، سيوفر بدلاً اقتصادياً وسريعاً لنقل البضائع والركاب على حد سواء، مما يعزز من التكامل الاقتصادي بين دول الجوار ويحول سوريا إلى مركز إقليمي للخدمات اللوجستية والذكية في قلب الشرق الأوسط.
الهدف؟ إنهاء "كابوس السير" اليومي والازدحام الذي يخنق دمشق. الوزير بدر لا يطلب تمويلاً للطرق فحسب، بل "لتحسين جودة الحياة".
لكن رؤية البنك الدولي، كما أوضح الدجاني، أعمق بكثير؛ إنهم لا يخططون لرصف طرق قديمة، بل "للتحول الرقمي" وبناء نظام "متكامل" وحديث.
هذا اللقاء، الذي يمثل واحدة من ست بعثات فنية تم الاتفاق عليها، هو إشارة لتحول زلزالي: بعد سنوات من العزلة، عادت التمويلات الدولية رسمياً، بادئةً بشرايين الأمة، بهدف جعل التنقل آمناً ومستداماً وممكناً مجدداً للمواطن السوري.