حرية ومسؤولية
في رد حاد يعكس خطورة المشهد الميداني، أدان وزير الدفاع اللبناني اللواء ميشال منسى، الأربعاء 1 نيسان، تصريحات نظيره الإسرائيلي يسرائيل كاتس حول تدمير القرى الحدودية ومنع عودة 600 ألف نازح لبناني إلى ديارهم.
ووصف منسى المخطط الإسرائيلي الرامي لفرض سيطرة أمنية حتى نهر الليطاني بأنه "احتلال جديد وجريمة موصوفة" تستنسخ مآسي رفح وبيت حانون على الأراضي اللبنانية.
وأكد الوزير أن بيروت لن تقبل بفرض "منطقة عازلة" تمس السيادة الوطنية، محذراً المجتمع الدولي من أن الصمت تجاه هذه التهديدات يدفع المنطقة نحو تصعيد شامل لا يمكن التنبؤ بنهايته.
يأتي هذا السجال الدبلوماسي العنيف في وقت يغرق فيه الميدان بالدماء؛ حيث أقر الجيش الإسرائيلي بمقتل 4 من جنوده بينهم ضابط في معارك الجنوب، بينما يواصل "حزب الله" تنفيذ عمليات نوعية تستهدف العمق الإسرائيلي، مما يحول محاولات التوغل البري إلى استنزاف دامٍ يهدد بتحويل جنوب الزهراني إلى ساحة حرب مفتوحة لا تعترف بالخطوط الحمراء.
هذه الجولة، التي شارك فيها قادة الشاباك والأركان والخارجية، ليست مجرد تفقد ميداني؛ إنها "رسالة نارية" لدمشق وواشنطن معاً.
فبينما يسعى الأمريكيون لإنجاز "اتفاق أمني"، يقول نتنياهو من الميدان: "نحن هنا باقون". الزيارة، التي برر بها نتنياهو تأجيل محاكمته "لدواعٍ أمنية"، تؤكد عملياً وصول المفاوضات إلى "طريق مسدود".
إسرائيل ترفض بوضوح طلب الرئيس أحمد الشرع بالانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها مؤخراً، مشترطة "سلاماً شاملاً" -وهو أمر بعيد المنال- بدلاً من مجرد اتفاق أمني.
إن وقوف القيادة الإسرائيلية كاملةً داخل العمق السوري هو تكريس لسياسة "الأرض مقابل الثمن الأغلى"، وضربة موجعة للجهود الدبلوماسية، تضع المنطقة أمام واقع احتلالي يرفض التزحزح قيد أنملة دون تحقيق شروطه القاسية.
إنه رسالة "تحدٍ" مباشرة للخوف الذي كشفته "يديعوت أحرونوت": الخوف من أن يضغط ترامب على نتنياهو لسحب القوات التي احتلتها بعد سقوط الأسد. إسرائيل لا تتحدث فقط، بل "تحصن" مواقعها؛ فالجرافات تعمل على ارتفاع 2800 متر، وتستعد لفصل شتاء جديد في مواقعها العسكرية.
المؤسسة الأمنية تضغط على نتنياهو: لا تتخلى عن "عيون الدولة". فمن قمة "حرمون" تراقب إسرائيل كل الجولان ومسارات تهريب السلاح إلى لبنان. وبينما ينسج ترامب "الشرق الأوسط الجديد"، تتمسك إسرائيل "بالأرض" التي تضمن أمنها.
لم تكتفِ إسرائيل بتنفيذ الغارة الدامية التي أودت بحياة أربعة أشخاص، بل سارع وزير الدفاع يسرائيل كاتس إلى تبنيها والبناء عليها، مهدداً بـ"تكثيف الهجمات" ضد "حزب الله".
بيان كاتس، الذي اتهم فيه الحزب بـ"اللعب بالنار" والرئيس اللبناني بـ"المماطلة"، يرفع سقف المواجهة إلى مستوى خطير، مطالباً بتنفيذ فوري لـ"نزع سلاح" الحزب في الجنوب.
الرواية الإسرائيلية الرسمية، كما قدمها أفيخاي أدرعي، حاولت تأطير الهجوم كعملية جراحية استهدفت "مسؤولاً لوجستياً" في قوة الرضوان كان يعمل على "إعادة إعمار البنى التحتية" للحزب.
لكن هذا التبرير لا يغير من حقيقة أن هذه الغارة، التي تأتي ضمن سلسلة خروق أسفرت عن مقتل 103 مدنيين منذ نوفمبر 2024، تزيد من هشاشة وقف إطلاق النار وتدفع المنطقة بقوة نحو حافة تصعيد عسكري شامل، متجاهلةً معاناة المدنيين المستمرة التي تحذر منها الأمم المتحدة.