حرية ومسؤولية
بين أزقة "صلخد" التي أرهقها الخوف، طُويت أخيراً صفحة من الظلام بإلقاء قوى الأمن الداخلي القبض على "ناصر فيصل السعدي"، الرجل الذي لم يكن مجرد تاجر مخدرات، بل ظلّاً ثقيلاً للموت والاغتيالات.
هذا الصيد الثمين يمثل ضربة قاصمة لشبكات الجريمة العابرة للحدود، فالسعدي الذي تنقل في ولائه بين ميليشيات "نسور الزوبعة" و"الحرس الوطني" التابعة للنظام البائد، حوّل الجنوب السوري إلى ممرٍّ ملغم بالسموم لصالح "حزب الله"، متاجراً بأرواح الشباب ومستقبلهم.
لم تكن عملية اعتقاله مجرد إجراء أمني، بل هي استجابة لصرخات الأمهات واستعادة لكرامة السويداء التي حاول السعدي تدنيسها بنزاعات دموية طالت حتى مزارع عائلته في غارات سابقة.
إن إنهاء سطوة هذا "القيادي" يفكك حلقة وصل استراتيجية لتهريب المواد المخدرة نحو الأردن، ويؤكد أن يد العدالة، وإن تأخرت تحت وطأة الفوضى، قادرة على اجتثاث جذور الفساد الأمني وتطهير المنطقة من بقايا الميليشيات التي اقتاتت على دماء السوريين وأمن جيرانهم.
بيان الخارجية الأمريكية كان واضحاً وصريحاً: دمشق تعمل "بجد" على ملفات الإرهاب، وتهريب المخدرات، وبقايا الكيماوي، وحتى تحديد مصير المفقودين الأمريكيين. هذه الخطوة، التي شطبت اسم "محمد الجولاني" (الاسم السابق للرئيس) من قوائم الإرهاب، هي اعتراف أمريكي بانتهاء 50 عاماً من القمع وبدء "مرحلة جديدة".
وقبل أيام فقط من زيارة البيت الأبيض المرتقبة، جاء الدعم الشخصي من الرئيس ترامب ليؤكد هذا المسار. ترامب، الذي وصف الشرع بـ "الرجل القوي"، لخص الفلسفة الأمريكية: "رفعنا العقوبات لمنحهم فرصة". وباعترافه الصريح "أنسجم معه جيداً"، يبدو أن هذه الفرصة تؤسس لشراكة حقيقية.
في تطور يكشف عن "إبداع" شبكات الجريمة ويأسها، أحبطت وزارة الداخلية السورية محاولة جريئة لتهريب شحنة عبر الحدود بأسلوب هوليوودي. المهرب (م. ن.) لم يكن يعتمد على الصدفة، بل استخدم "مناطيد جوية" مزودة بأدوات إلكترونية متطورة لتوجيهها عن بعد، محولاً السماء إلى مسرح جديد لـ "حرب الظل" هذه.
هذا الأسلوب لا يُظهر فقط حجم الموارد المتاحة لهؤلاء التجار، بل يبرهن على لعبة قط وفأر تكنولوجية مستمرة على الحدود. إعلان الوزارة عن مصادرة الأدوات وإحالة المجرم للقضاء لم يكن مجرد بيان روتيني، بل كان رسالة ردع قوية بأن أعين الأمن تراقب السماء كما تراقب الأرض، وأن ملاحقة "تجار الموت" مستمرة بلا هوادة، مهما ابتكروا من أساليب "ذكية" لنشر سمومهم.
فخلف الأبواب المغلقة مع قادة الأمن اللبناني والوزير أحمد الحجار، لم تُناقش "العلاقات المتميزة" فحسب، بل تم فتح "الملفات الأكثر ألماً":
مصير السجناء المتبادل، وكيفية ضبط "الحدود الطويلة" التي نزفت فوضى لسنوات، ومصير العدد الهائل من السوريين في لبنان. لكن الجرح الأعمق كان "مكافحة المخدرات"، حيث تم وضع أسس "تنسيق مباشر" لقطع شرايين السم.
إن اعتراف الوزير اللبناني بأن أمن سوريا هو أمن لبنان والعكس، وأن البلدين "محكومان بالتعاون الوثيق"، هو اعتراف صريح بانتهاء عصر الفوضى. إنها رسالة بأن الدولتين تدركان أن عليهما العمل كيد واحدة لخنق الجريمة المنظمة التي استفحلت على جانبَي الحدود.
اعتراف رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني لـ"لوموند" هو أكثر من مجرد دبلوماسية؛ إنه إقرار بوحدة المصير.
فبغداد تدرك أن أمنها يبدأ من دمشق.
ورغم أن "داعش" انحسر ليصبح مجرد 400 عنصر في جيوب معزولة، إلا أن المعركة الجديدة ضد "تجار الموت" لا تقل شراسة.
هذا التعاون الأمني ليس حبراً على ورق، بل هو عمليات نوعية حقيقية؛ فالتنسيق الاستخباري عالي المستوى هو الذي أطاح مؤخراً بمليون و272 ألف حبة كبتاغون و108 كغ حشيش.
إنه تحالف ضروري لخنق شبكات التهريب الدولية. ولأهمية هذا الخط، ستبقى "وحدة أمريكية صغيرة" في عين الأسد، ليس لمحاربة "داعش" داخل العراق، بل لمراقبة هذه الحدود الساخنة بالتحديد.
ففي الوقت الذي كانت فيه الأنظار تتجه إلى الإنجاز الأمني الهائل بضبط 11 مليون حبة كبتاغون قادمة من لبنان، كانت "الأذرع" الداخلية لهذه الآفة تتساقط في الرستن.
إن إلقاء القبض على عصابة الخمسة أشخاص (آ.ن، غ.ز وآخرين) بعد سرقتهم لمتجر، ليس مجرد قضية سرقة عادية، بل هو كشف لـ "أعراض" الإدمان.
هؤلاء ليسوا لصوصاً عاديين؛ بل هم "أصحاب سوابق" في تعاطي وتجارة المخدرات.
التحقيقات كشفت الحقيقة المرة: إنهم "عصابات إجرامية" متنقلة بين المحافظات، بحوزتهم عملات مزورة.
ما حدث هو تجفيف للمنابع (الكبتاغون) وقطع للأذرع (عصابات السرقة) في وقت واحد. إنها رسالة بأن الأمن في حمص يطارد التاجر الكبير الذي يهرب الملايين، والمدمن الصغير الذي يسرق ليتعاطى.
إن إيقاف 19 كيلو غراماً من الحشيش و11 ألف حبة كبتاغون "معدة للتوزيع" هو أكثر من مجرد إحصائية؛ إنه إنقاذ مباشر لآلاف الشباب من سم كان سيُضخ في شرايين المدينة.
هذا الإنجاز ليس وليد صدفة، بل هو ثمرة مباشرة للحملة الأمنية الواسعة التي أُطلقت في حزيران بقيادة العقيد ضرار الشملان، والتي بدأت من الميادين وتعهدت بملاحقة كل "الخارجين عن القانون".
إنها نفس الروحية التي عملت على ضبط الحدود في البوكمال لوقف تهريب السلاح والمخدرات إلى العراق.
إحالة المتهم اليوم للقضاء هي رسالة صارمة بأن عهد الفوضى في الشرق السوري قد ولّى، وأن الدولة الجديدة جادة في تجفيف منابع الإرهاب والجريمة، مهما كلف الثمن.
الجيش الأردني، بعيونه الساهرة، أحبط محاولة مبتكرة لخرق حدوده الشرقية باستخدام "بالونات موجهة" محملة بالمواد المخدرة، قادمة من الأراضي السورية.
قوات حرس الحدود نجحت في رصد هذا التكتيك الجديد وإسقاط البالونات وحمولتها.
هذا الحادث ليس مجرد عملية تهريب فاشلة، بل يؤكد حالة الاستنفار القصوى واليقظة العالية التي تفرضها عمّان لحماية أمنها القومي من محاولات الإغراق المنظم بالمخدرات والأسلحة.
سجّل معبر جديدة يابوس الحدودي نجاحاً نوعياً بإحباط محاولة لتهريب 40 كفاً من الحشيش المخدّر قادمة من لبنان، إثر عملية تفتيش دقيقة نفذتها كوادر الجمارك والأمن والسلامة.
هذا الضبط يؤكد الجهود المتصاعدة التي تبذلها الحكومة السورية الجديدة لمكافحة المخدرات، خاصة بعد إسقاط النظام المخلوع الذي كشفت تحقيقات ما بعده عن شبكة واسعة من مصانع الكبتاغون السرية المدعومة من "الفرقة الرابعة" و"حزب الله".
وعلى الرغم من النجاح في تفكيك هذه الشبكة وتراجع عمليات التهريب نحو الأردن، تبقى التحديات قائمة على الحدود اللبنانية المعقدة.
لذلك، يشدد خبراء الأمن على ضرورة التنسيق المشترك لضبط هذه المنطقة بشكل كامل وحماية المجتمع السوري من مخاطر المخدرات.
في إطار حربها المعلنة على المخدرات، وجهت وزارة الداخلية السورية ضربة جديدة لتجار السموم، معلنة ضبط مزرعة ضخمة لنبتة القنّب المخدر في دوما بريف دمشق.
العملية، التي استندت إلى متابعة دقيقة، أسفرت عن مصادرة نحو 240 كيلوغراماً من النبتة المعدّة لإنتاج الحشيش، وإلقاء القبض على المتورطين.
ويأتي هذا التحرك بعد عملية مماثلة في ريف حلب الشهر الفائت، ليؤكد إصرار السلطات على ملاحقة شبكات المخدرات التي تهدد أمن المجتمع السوري وتستهدف شبابه في واحدة من أخطر معاركها.
وصل وزير الداخلية السوري أنس خطاب اليوم، الثلاثاء 7 تشرين الأول، إلى العاصمة الأردنية عمّان في زيارة رسمية تستغرق يوماً واحداً، استقبله خلالها نظيره الأردني مازن الفراية.
تهدف الزيارة إلى تعميق العلاقات الثنائية وبحث مجموعة من الملفات الأمنية والتنموية ذات الاهتمام المشترك بين البلدين.
وتأتي هذه الزيارة في سياق تصاعد التعاون الأمني المشترك، حيث أعلنت إدارتا مكافحة المخدرات في البلدين، أول أمس، عن نجاحهما في تفكيك شبكات تهريب وتجارة مخدرات والقبض على متورطين. كما أحبطتا معاً سبع محاولات تهريب عبر الحدود، تم خلالها ضبط نحو مليون حبة مخدرة.
ويؤكد هذا التعاون الفعّال التزام الجانبين بتكثيف الجهود لملاحقة المستغلين للحدود في أنشطة غير مشروعة، مما يرسخ أهمية التنسيق المباشر بين دمشق وعمّان لـ حماية المجتمعات وصون مستقبل الأجيال.