حرية ومسؤولية
أثار الشيخ محمد خير الذهبي استقطاباً حاداً في الأوساط السورية عقب توجيهه انتقادات علنية ومباشرة لتنظيم حفل غنائي مرتقب للفنانة أصالة نصري، معتبراً أن الفعاليات الفنية الجماهيرية تتعارض مع القيم والضوابط الدينية وتتجاوز حدود النشاط الثقافي المقبول.
انتقلت تداعيات التصريحات سريعاً إلى منصات التواصل الاجتماعي، لتفرز نقاشاً ساخناً بين شريحة تؤيد موقف الذهبي وتطالب بضبط صارم للأنشطة الثقافية وفق معايير محافظة، وأخرى تدافع بشراسة عن حرية التعبير الفني بوصفه ركيزة أساسية لتعافي المجتمع السوري وتجاوز سنوات الركود الطويلة. وتترقب الأوساط الفنية عودة أصالة نصري للغناء في دمشق بعد غياب امتد لسنوات، في خطوة واجهت سابقاً تأجيلات متعددة لأسباب تنظيمية، وتكتسب اليوم رمزية خاصة مع التغيرات المتسارعة في بنية المشهد الثقافي المحلي. وتواجه المؤسسات المعنية، وفي مقدمتها نقابة الفنانين السوريين، تحدياً مركباً يتمثل في الموازنة الدقيقة بين مساعي إنعاش قطاع الترفيه المتعثر واستقطاب الأسماء الفنية السورية البارزة من الخارج، وبين التعامل مع موجات الاعتراض المتكررة من شخصيات دينية فاعلة. وتحمل عودة الحفلات الجماهيرية الكبرى إلى مسارح العاصمة أبعاداً اقتصادية واجتماعية تتجاوز إطار الترفيه البحت، إذ تشكل اختباراً عملياً لمدى قدرة البنية التحتية الثقافية على استعادة حيويتها الإقليمية السابقة وجذب الجماهير. وتطالب شخصيات دعوية بفرض رقابة استباقية صارمة على تصاريح المهرجانات لضمان انسجامها مع هوية المجتمع، بينما تحذر نخب ثقافية وفنية من خطورة الانصياع للضغوط الفردية المستمرة، مؤكدة أن تقييد الفنون يهدد مساعي إعادة دمج الطاقات السورية المهاجرة ويقوّض فرص بناء بيئة مجتمعية توافقية تستوعب التنوع الطبيعي للجمهور.
أطلق أهالي القرى المهجرة في ريف إدلب نداءات استغاثة عاجلة إلى الحكومة السورية بضرورة فتح ملف عودتهم إلى مناطقهم الأصلية التي هجروا منها قسراً خلال سنوات الصراع. تجمعت حشود من العائلات النازحة عند مداخل المناطق المحررة، مؤكدين أن بقاءهم في مخيمات تفتقر لأدنى مقومات الحياة بات يشكل عبئاً لا يطاق، ومشددين على ضرورة وضع خطة وطنية واضحة تكفل أمنهم وكرامتهم فور عودتهم لبيوتهم وأراضيهم.
تحولت هذه المناطق خلال العقد الماضي إلى مسارح لعمليات عسكرية متلاحقة، مما دفع السكان للنزوح المتكرر بحثاً عن ملاذات آمنة، تاركين خلفهم مدخراتهم ومصادر رزقهم في حقول الزيتون والمواسم الزراعية التي اشتهر بها الريف الإدلبي. يتطلب ملف العودة اليوم أكثر من مجرد تصاريح عبور، فهو يستلزم معالجة ملفات الألغام، وإعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء التي دمرتها الغارات، فضلاً عن توفير ضمانات أمنية تمنع تجدد الاحتكاك العسكري. تعي الحكومة أن إغلاق ملف النزوح في إدلب يشكل حجر الزاوية في مسيرة الاستقرار الوطني، خاصة مع تزايد ضغوط المنظمات الدولية التي تلوح بتقليص التمويل للمخيمات. إن العودة إلى الأرض ليست مجرد رغبة إنسانية عابرة، بل هي ضرورة حيوية لإعادة تشغيل الدورة الاقتصادية في منطقة تعتبر الخزان الزراعي الأهم، حيث تضع هذه المطالب السلطات أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة ملفات التغيير الديموغرافي القسري وتحويل استراتيجيات التنمية من الورق إلى واقع يعيد العائلات إلى دفء بيوتها بعد طول انتظار وشتات.
يعكس الجدل المتصاعد حول إلغاء حفلات فنانين أيّدوا النظام السوري المخلوع، وعلى رأسهم محمد إسكندر وحسام جنيد وشادي جميل، صراعاً مجتمعياً حاداً حول الذاكرة والعدالة، حيث يرفض قطاع واسع من الجمهور عودة من تغنوا بآل الأسد إلى منصات الغناء، بينما يدعو آخرون إلى فتح صفحة جديدة وفصل الفن عن السياسة، في اختبار حقيقي لمدى قدرة سوريا الجديدة على تجاوز جراح الماضي.
الفنان اللبناني محمد إسكندر ينتقد إلغاء حفلته في سوريا.. كيف برّر دعمه للنظام المخلوع؟#نيوميديا pic.twitter.com/clkge7kC5B
— سوريا الآن - أخبار (@AJSyriaNowN) July 21, 2026
ودافع إسكندر عن نفسه في فيديو، قائلاً إنه لم يحمل سلاحاً واكتفى بالغناء، ودعا إلى "فتح صفحة جديدة"، لكن تصريحاته أثارت موجة غضب، وأعادت نشر مقاطع له تمجّد النظام وتشكك في شرعية الرئيس الجديد. الأكاديمي طلال مصطفى يرى أن هذه الاحتجاجات تعكس "استمرار الصراع المجتمعي حول العدالة والهوية"، وأن المجتمع لا يزال منقسماً بين من يرى الأولوية للفن والحاضر، ومن يعتبر أن المصالحة تتطلب مواقف واضحة واعتذارات صادقة قبل العودة إلى منصات الترفيه. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع السوريون تجاوز انقساماتهم، أم أن الجراح ما زالت نازفة، وكل أغنية تحمل ذكريات لا تُنسى؟