حرية ومسؤولية
تثير موجة الإدانات العربية والخليجية العارمة، قراءات سياسية تتجاوز مجرد بيانات التعاطف التقليدية؛ فالحدث يؤسس لصياغة "خط أحمر" إقليمي جديد يلتف حول الرياض في مواجهة حرب المسيرات العابرة للحدود، ويعكس إدراكاً جماعياً بأن استهداف العمق السعودي في هذا التوقيت الحرج يمثل شرارة قد تحرق جهود الاستقرار الدبلوماسي في المنطقة بأسرها.
وجاء هذا الاستنفار الدبلوماسي عقب إعلان وزارة الدفاع السعودية ليلة أمس عن تدمير ثلاث طائرات مسيّرة اخترقت الأجواء قادمة من جهة العراق، لتسارع عواصم القرار العربي إلى إعلان موقف حازم يرفض استباحة سيادة المملكة.
وكانت القاهرة في طليعة هذه المواقف؛ حيث أكدت الخارجية المصرية في بيان قوي أن أمن السعودية هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، محذرة من أن مثل هذه الاعتداءات تمثل تهديداً مباشراً لاستقرار الإقليم، مع الدعوة إلى كبح جماح التصعيد واحتواء التوترات عبر الحوار الدبلوماسي. وعلى النحو ذاته، جاء الموقف الأردني معلناً تضامناً مطلقاً مع الرياض، واصفاً الحادث بأنه خرق صارخ للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة واستخفاف بسلامة المدنيين والمقيمين.
وعلى المستوى الخليجي، تلاحقت المواقف لتؤكد وحدة المصير؛ إذ دانت دولة قطر المحاولة واعتبرتها اعتداءً مرفوضاً وانتهاكاً سافراً للسيادة، مؤكدة مساندتها الكاملة لكل ما تتخذه الرياض من تدابير لحماية أمنها. من جهتها، وضعت دولة الكويت النقاط على الحروف بإدانتها الصريحة لانطلاق المسيرات من الأجواء العراقية، معتبرة ذلك انتهاكاً صارخاً لقرارات مجلس الأمن الدولي، لا سيما القرار رقم 2817.
وتوّج هذا التحرك ببيان حاد للأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، جاسم البديوي، الذي وصف الهجوم بالعدائي والمهدد للسلم الإقليمي والمنشآت الحيوية. هذا الإجماع العربي والخليجي يمنح القيادة السعودية غطاءً سياسياً وقانونياً قوياً في تعاملها المقبل مع بغداد لضبط الفصائل المسلحة، ويعزز من مشروعية "الرد العملياتي" الذي لوّحت به وزارة الدفاع لحماية أراضيها، مؤكداً أن أي عبث بأمن الرياض سيتصدم بحائط صد دبلوماسي صلب يمتد من الخليج إلى المحيط.