حرية ومسؤولية
تثير التطورات الدراماتيكية المتلاحقة في الساعات الأخيرة قراءات استراتيجية تحبس الأنفاس حول مصير السلم والأمن في الشرق الأوسط؛ فالمنطقة التي كانت تفصلها ساعات قليلة عن اندلاع حرب إقليمية شاملة شهدت انفراجة دبلوماسية غير متوقعة، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق هجوم عسكري واسع النطاق كان مقرراً شنه ضد أهداف داخل إيران اليوم الثلاثاء، استجابةً لتدخل مباشر ووساطة مكثفة قادها كبار زعماء الخليج.
وجاء الإعلان المفاجئ عبر منشور لترامب على منصته "تروث سوشيال" (Truth Social)، كشف فيه عن تلقيه اتصالات وطلبات مباشرة من أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان آل سعود، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.
وأوضح ترامب أن القادة الخليجيين حثوه على الامتناع عن تنفيذ الضربة العسكرية المخطط لها لإفساح المجال أمام "مفاوضات جادة للغاية" تجري خلف الكواليس لإنهاء الحرب، معربين عن ثقتهم -كحلفاء استراتيجيين لواشنطن- في إمكانية صياغة اتفاق تاريخي سيكون مقبولاً للولايات المتحدة ولدول الشرق الأوسط برمتها، شريطة أن يضمن بوضوح منع طهران من امتلاك أي أسلحة نووية.
وترجم ترامب احترامه لطلب القادة العرب بإصدار توجيهات فورية لوزير الدفاع (وزير الحرب حسب تسميته)، بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دانيال كين، بوقف تنفيذ الهجوم الذي كان وشيكاً؛ إلا أن هذا التراجع التكتيكي ترافق مع لهجة وعيد حاسمة، حيث أمر ترامب القوات الأمريكية بالبقاء في حالة استنفار قصوى وعلى أهبة الاستعداد لشن "هجوم شامل واسع النطاق" في أي لحظة وبشكل فوري إذا ما تعثرت المفاوضات أو فشلت طهران في تقديم التنازلات المطلوبة.
ويأتي هذا الحراك الإقليمي الساخن بعد ساعات من تسليم طهران عبر الوسيط الباكستاني مقترحاً معدلاً من 14 بنداً، ليعيد خلط الأوراق مجدداً بين نذر الصدام العسكري الشامل وفرص النجاة عبر البوابة الدبلوماسية الخليجية.
إن المنشورات الأخيرة للرئيس دونالد ترامب عبر منصته "تروث سوشيال" تتجاوز مجرد "الاستعراض الرقمي"؛ إنها "إعلان نوايا عسكري" مغلف بالذكاء الاصطناعي والصور التعبيرية الحادة.
فنشره لصورة سفن حربية وسط أمواج عاتية مرفقة بعبارة "لقد كان الهدوء الذي يسبق العاصفة"، يمثل نقلة نوعية من الدبلوماسية الخشنة إلى التهديد المباشر باستئناف العمليات العسكرية ضد طهران في غضون ساعات.
تأتي هذه الحرب النفسية في توقيت بالذات الدقة؛ فبينما يمتد الحصار البحري الأمريكي على مضيق هرمز وموانئ إيران رغم "الهدنة غير المحددة" التي تلت وسواطة باكستان في نيسان الماضي، يجد ترامب نفسه أمام طريق مسدود في المفاوضات بسبب Sequence (ترتيب الشروط)؛ حيث تشترط واشنطن حل الملف النووي أولاً، بينما تتمسك طهران بإنهاء الحرب ورفع الحصار الشامل كشرط مسبق.
وفي تصريحاته الهاتفية الحازمة لقناة "بي إف إم" (BFMTV) الفرنسية، كشف ترامب عن براغماتيته التهديدية بقوله: "ليس لدي أي فكرة إن كنا سنصل لاتفاق، لكن إن لم يفعلوا، فسيمرون بوقت عصيب للغاية"، معتبراً أن المصلحة الحقيقية تفرض على الإيرانيين التوقيع فوراً.
إن صور الصواريخ وقوات "الجو فضائية" التي شاركها ترامب، بالتزامن مع تسريبات حول تلقيه خططاً عسكرية من قيادة "سنتكوم" لشن ضربات خاطفة وقوية لكسر الجمود، تؤكد أن العالم يقف على مسافة شعرة من تجدد الصراع المفتوح، حيث يبدو أن مهلة الدبلوماسية قد نفدت ولم يتبقَ سوى انتظار قرار البيت الأبيض ببدء "العاصفة".
في تصعيد كلامي غير مسبوق عبر منصته "تروث سوشيال" اليوم الثلاثاء 31 آذار، شن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجوماً لاذعاً على بريطانيا وفرنسا، واصفاً مواقفهما بـ "المتخاذلة" في الحرب ضد إيران.
ترامب، الذي يرى أن "الجزء الأصعب" من تدمير القدرات الإيرانية قد انتهى، سخر من عجز بريطانيا عن تأمين وقود طائراتها بسبب إغلاق مضيق هرمز، متهكماً على رفضها المشاركة في عملية "قطع رأس النظام".
ولم يكتفِ بذلك، بل قدم "نصيحة ساخرة" للحلفاء: إما شراء النفط الأمريكي الفائض، أو استجماع الشجاعة والتوجه لانتزاع نفطهم من المضيق بالقوة، مؤكداً أن أمريكا لن تكون "شرطي المرور" المجاني لحماية إمداداتهم بعد اليوم.
وفي جبهة أخرى، صوّب ترامب سهامه نحو باريس، متهماً إياها بعرقلة المجهود الحربي عبر منع الطائرات العسكرية المتجهة لإسرائيل من عبور الأجواء الفرنسية، واصفاً موقف حكومة ماكرون بـ "غير المتعاون" تجاه ما سماه "جزار إيران".
هذه التصريحات لا تمثل مجرد غضب لحظي، بل هي إعلان صريح عن نهج "أمريكا أولاً" في أبشع صوره، حيث تتحول التحالفات الاستراتيجية إلى صفقات تجارية وعسكرية مشروطة، مما يترك القارة العجوز في مهب ريح أزمة طاقة خانقة وسط تهديدات "هرمز" المشتعلة.