حرية ومسؤولية
أعلنت وكالة "ميزان" التابعة للسلطة القضائية الإيرانية عن تنفيذ حكم الإعدام صباح اليوم الاثنين بحق رجلين أدينا بالتعاون مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد).
وأوضحت الوكالة أن المدانين، محمد معصوم شاهي وحامد وليدي، كانا ينشطان ضمن شبكة تجسس وتخريب وتلقيا تدريبات متخصصة في الخارج، تحديداً في إقليم كردستان العراق، بهدف تنفيذ عمليات عدائية تستهدف العمق الإيراني وزعزعة استقرار أمن الدولة.
وكشفت التحقيقات القضائية عن تفاصيل خطيرة تتعلق بمخططات الخلية، حيث تم إلقاء القبض على الرجلين وبحوزتهما عشر قذائف كانت معدة للإطلاق الفوري، بالإضافة إلى مصادرة كميات من الذخائر والمواد الأولية المستخدمة في تصنيع قذائف الهاون داخل منزلي المتهمين.
ووجهت المحكمة العليا تهماً ثقيلة للمدانين تشمل "التآمر ضد أمن الدولة" و"النشاط الدعائي ضد النظام"، مؤكدة أن اليقظة الأمنية حالت دون تنفيذ أي من الهجمات المخطط لها، وهو ما يندرج ضمن سلسلة من الضربات التي وجهتها طهران مؤخراً لشبكات تقول إنها تعمل لصالح الكيان الصهيوني.
إن توقيت تنفيذ هذه الأحكام في ربيع عام 2026 يضع النقاط على الحروف في مسألة الصراع الاستخباراتي المحتدم بالمنطقة، حيث تعتبر طهران أن هذه الخلايا هي "أذرع تخريبية" تحاول واشنطن وتل أبيب تحريكها من الداخل للتعويض عن الإخفاقات في الميدان العسكري أو السياسي.
ومع تأييد المحكمة العليا للحكم وتنفيذه، تؤكد السلطات الإيرانية أنها لن تتهاون مع أي خرق أمني يمس السيادة الوطنية، في ظل استمرار حالة الاستنفار التي تشهدها البلاد على كافة الجبهات الميدانية والدبلوماسية.
إنه، بحسب "نيويورك تايمز"، "عميل مزدوج" عمل لصالح الموساد الإسرائيلي. هذه الخيانة هي التي ضمنت له "حياة فاخرة" في المنفى.
فعندما فر من سوريا عام 2013، لم يهرب كلاجئ، بل "هُرِّب" كعميل ثمين. الموساد، بمساعدة المخابرات النمساوية (التي يواجه أفرادها تهماً الآن)، نقله سراً عبر أوروبا.
عاش بأسماء مستعارة في باريس وفيينا، مختبئاً لسنوات. وعندما اقترب المحققون منه في فرنسا، رتب له الموساد "ملاذاً آمناً" في النمسا.
لقد كان شبحاً، محمياً بالصمت الغربي، إلى أن ارتكب خطأً فادحاً: صورة نشرها على جسر في بودابست. هذه الصورة كانت الخيط الذي قاد لـ "صيده" العام الماضي، لتسقط اليوم ورقة التوت عن "الجاسوس" المتهم بجرائم الحرب.
فديرمر ليس وزيراً عادياً؛ إنه "المهندس" الذي أدار شخصياً "الملف السوري" السري، وهو من التقى بوزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس الاستخبارات حسين سلامة في باكو وباريس.
أن يرحل الآن، بالتزامن الدقيق مع "صفقة" واشنطن الكبرى وكشف المفاوضات السورية، هو أمر يبعث على الريبة.
هل هي خلافات عميقة حول التنازلات المقدمة لدمشق؟ أم أن "مهندس" التطبيع يهرب من سفينة تغرق سياسياً؟ رحيله في هذا التوقيت "القاتل" يضع علامة استفهام ضخمة حول مستقبل أهم مسارين لإسرائيل: سوريا وحماس.
وُلد فتحي الشقاقي عام 1951 في مخيم للاجئين بقطاع غزة، لأسرة هُجّرت من قرية "زرنوقة" قضاء الرملة خلال نكبة 1948. حملت نشأته في بيئة اللجوء والفقر أثراً عميقاً في تكوينه. درس في مدارس وكالة الغوث (الأونروا)، قبل أن يلتحق بجامعة بيرزيت لدراسة الرياضيات، ثم سافر إلى مصر في منتصف السبعينيات لدراسة الطب في جامعة الزقازيق.
كانت فترة مصر هي المرحلة التكوينية الحاسمة في حياته. كغيره من شباب جيله، بدأ الشقاقي متأثراً بالفكر القومي الناصري، لكن هزيمة 1967 دفعته نحو مراجعات فكرية عميقة، ليجد ضالته في التيارات الإسلامية. انضم في البداية إلى جماعة الإخوان المسلمين، لكن حدثاً مفصلياً غيّر مساره: انتصار الثورة الإيرانية عام 1979.
رأى الشقاقي في الثورة الإيرانية نموذجاً حياً لقدرة الإسلام على إحداث تغيير ثوري سياسي وعسكري. وسرعان ما عبّر عن هذا الانبهار في كتيب شهير بعنوان "الخميني.. الحل الإسلامي والبديل"، وهو ما أدى إلى اعتقاله من قبل السلطات المصرية عام 1979. كانت هذه اللحظة بمثابة الإعلان عن ولادة فكر جديد.
بعد تخرجه عام 1981، عاد الشقاقي إلى فلسطين ليعمل طبيباً في مستشفى "فيكتوريا" بالقدس ثم طبيب أطفال في غزة. لكن عمله الأساسي كان سرياً: بناء نواة تنظيمية لما سيُعرف لاحقاً بـ "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين".
انطلق الشقاقي من فرضية أساسية: فلسطين هي "القضية المركزية" للأمة الإسلامية، والحل الوحيد لتحريرها هو "الجهاد المسلح" الفوري، وليس عبر العمل السياسي أو التربوي طويل الأمد الذي انتهجته جماعة الإخوان آنذاك. استقطب الشقاقي ورفيقه الشيخ عبد العزيز عودة مجموعة من الشباب المتحمسين لهذا الطرح، وبدأوا بتنظيم خلايا عسكرية.
أدى هذا النشاط إلى اعتقاله مرتين من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، مرة عام 1983 ومرة أخرى عام 1986، قبل أن يتم إبعاده بشكل نهائي عام 1988 إلى لبنان، ومنها انتقل إلى دمشق التي أصبحت مقراً لقيادته.
من دمشق، أدار الشقاقي حركة الجهاد الإسلامي، محولاً إياها من خلايا محلية صغيرة إلى تنظيم له وزن سياسي وعسكري مؤثر. رفض الشقاقي بشدة اتفاقيات أوسلو (1993)، معتبراً إياها تفريطاً في الثوابت الفلسطينية. صعّدت الحركة من عملياتها العسكرية ضد أهداف إسرائيلية، وكان أبرزها عملية "بيت ليد" الاستشهادية المزدوجة في يناير 1995، والتي أسفرت عن مقتل 22 جندياً إسرائيلياً، واعتُبرت ضربة نوعية غيرت قواعد الاشتباك.
هذه العملية وضعت الشقاقي على رأس قائمة الاغتيالات الإسرائيلية. في 26 أكتوبر 1995، وأثناء عودته من زيارة لليبيا (كان يسعى خلالها لوقف ترحيل الفلسطينيين من هناك)، تم رصده من قبل وحدة اغتيالات تابعة للموساد في جزيرة مالطا. وبينما كان متوجهاً إلى فندقه في مدينة سليما، حاملاً جواز سفر ليبياً مزوراً باسم "إبراهيم الشاويش"، اقترب منه مسلح على دراجة نارية وأطلق عليه عدة رصاصات أردته قتيلاً.
لم يكن اغتيال الشقاقي نهاية لحركته، بل ربما كان ترسيخاً لنهجه. يُنظر إليه اليوم باعتباره "الأب الروحي" للجهاد الإسلامي، والمُنظّر الذي نجح في "أسلمة" الكفاح المسلح الفلسطيني وربطه ببعد عقائدي يتجاوز الجغرافيا الوطنية. ترك الشقاقي إرثاً فكرياً وتنظيمياً لا يزال يشكل، حتى اليوم، أحد أهم ركائز "محور المقاومة" الرافض للتسوية والداعم لاستمرار الكفاح المسلح كخيار استراتيجي وحيد.
في خطوة ذات دلالات أمنية قصوى، أعلنت إيران عن تنفيذ حكم الإعدام شنقاً بحق "بهمن جوبي أصل"، الذي وصفته بأنه أحد أبرز الجواسيس الذين تعاونوا مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلي.
وقد أدانت المحكمة العليا "جوبي أصل" بتهمة "الإفساد في الأرض عبر التعاون الاستخباري".
وبحكم تخصصه، كان الجاسوس خبيراً في قواعد البيانات (Database)، ما مكنه من الوصول إلى مشاريع حساسة واتصالات استراتيجية ومراكز بيانات سيادية وحيوية للجمهورية الإسلامية.
وكشفت وكالة "تسنيم" أن تجنيده تم في إحدى دول الخليج عبر عناصر من الموساد وشركة وهمية، حيث تمحور الهدف الأساسي حول اختراق قواعد بيانات المؤسسات السيادية. الأخطر، أن "جوبي أصل" طُلب منه التوسط في شراء معدات إلكترونية يُحتمل أنها ملوثة، لزرعها في البنى التحتية لإحداث تخريب، على غرار العمليات التي طالت البرنامج النووي.
يمثل تنفيذ هذا الحكم رسالة إيرانية واضحة حول التعامل "الحازم" مع أي محاولات اختراق تستهدف قلب بنيتها التحتية التقنية.