حرية ومسؤولية
في لقاء دبلوماسي رفيع عكس توافقاً كبيراً في الرؤى، أكد وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ونظيره السوري بسام الشيباني، السبت، على التطور المستمر للعلاقات الأخوية وضرورة توسيع التعاون ليشمل مختلف المجالات.
وشدد الجانبان على التحضيرات الجارية لعقد الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى، وهو ما يمثل انتقالاً للعلاقة من حيز التفاهمات الأمنية إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
وجدد الصفدي موقف المملكة الثابت في دعم سيادة سوريا واستقرارها، مؤكداً أن أمن دمشق هو جزء لا يتجزأ من أمن عمان.
ولم يغب المشهد الميداني عن طاولة المباحثات؛ حيث أدان الوزيران بشدة الغارات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، معتبرين إياها خرقاً صارخاً لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 والقانون الدولي.
وفي الوقت ذاته، حمل اللقاء موقفاً حازماً تجاه التصعيد الإقليمي، حيث أدان الطرفان ما وصفاه بـ "الاعتداءات الإيرانية غير المبررة" على الأردن ودول الخليج، مشددين على أن "الدبلوماسية القائمة على احترام السيادة" هي السبيل الوحيد لحل أزمات المنطقة، بعيداً عن التدخلات الخارجية التي تهدد استقرار الدول العربية ومصالح شعوبها.
في خطاب اتسم بالواقعية السياسية والتحذير من الانزلاق نحو المجهول، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الأربعاء 1 نيسان، أن الأولوية القصوى لحكومته هي عبور المرحلة الراهنة بـ "صفر أضرار".
وخلال اجتماع كتلة "حزب العدالة والتنمية" بأنقرة، شن أردوغان هجوماً لاذعاً على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معتبراً أن كل قطرة دم تسال في الهجمات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران تهدف حصراً لإطالة أمد بقائه في السلطة.
وحمّل أردوغان الحكومة الإسرائيلية المسؤولية عن "العبء الاقتصادي العالمي" الناتج عن هذه الحرب غير المشروعة، مشدداً على أن تركيا ستبذل كل جهدها لفتح آفاق السلام والحيلولة دون تحول المنطقة إلى ساحة نار مستعرة، مع التمسك بسياسة "النأي بالنفس" عسكرياً لضمان استقرار الداخل التركي وحماية مكتسباته الاقتصادية في ظل هذه الظروف المعقدة.
في خطاب متلفز عكس حجم الضغوط العسكرية والسياسية، أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء 1 نيسان، بأن الحرب المشتركة مع واشنطن ضد طهران تكبد إسرائيل أثماناً قاسية، لكنه وصفها بالاستثمار التاريخي الذي "زعزع أركان النظام".
وكشف نتنياهو عن توجيه عشر ضربات قاصمة خلال شهر واحد استهدفت العمق الإيراني والمشاريع النووية والصاروخية، زاعماً أن أذرع إيران التي استنزفت نحو تريليون دولار لم تعد تشكل تهديداً وجودياً لتل أبيب رغم استمرار قدرتها على إطلاق الصواريخ.
وبينما تحدث عن ولادة "تحالفات إقليمية جديدة" تعزز أمن إسرائيل، غمز من قناة القوى الأوروبية التي وصفها بـ "الخائفة" من التصريح بحقيقة الخطر الإيراني علناً.
إن هذا الخطاب يمهد لمرحلة "ما بعد الصدام الكبير"، حيث يحاول نتنياهو تثبيت واقع سياسي جديد في الشرق الأوسط ينهي طموحات طهران التوسعية، وسط تساؤلات داخلية متزايدة حول المدى الزمني لهذه المعركة وتكلفتها البشرية التي لم تعد تُحتمل.
في تصعيد هو الأخطر منذ اندلاع المواجهة، أطل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر "فوكس نيوز" ليرسم ملامح نهاية "الأسطول والجو" الإيراني، مهدداً بتدمير محطات الطاقة إذا لم تذعن طهران للشروط الدولية.
تتجلى خطورة الموقف في تمديد ترامب "مهلة العشرة أيام" حتى السادس من نيسان، كفرصة أخيرة طلبتها إيران لتجنب جحيم الاستهداف المباشر لمنشآتها الحيوية.
وبالتوازي مع التهديد العسكري، تكشف الأرقام الميدانية عن تحول مريب في بوصلة الصراع؛ إذ وجهت إيران 83% من ترسانتها الصاروخية ومسيّراتها البالغ عددها 5321 هجوماً نحو دول الخليج العربي، تاركةً نصيب الأسد من الدمار للإمارات والسعودية والكويت، في حين لم تستهدف إسرائيل سوى بـ 17% من مجمل عملياتها.
إن هذا المشهد يضع المنطقة أمام "حرب تكسير عظام" حقيقية، حيث يتوعد ترامب بملاحقة القادة وتصفية ما تبقى من القوة الإيرانية، بينما تئن العواصم الخليجية تحت وطأة الرشقات المتتالية، في صراع لم يعد يفرق بين الجبهات العسكرية والمصالح الاقتصادية العالمية، مما ينذر بانفجار إقليمي شامل إذا ما انقضت مهلة نيسان دون معجزة دبلوماسية.
في لحظةٍ حبست فيها العواصم أنفاسها، مرّر مجلس الأمن الدولي قراراً مثيراً للجدل يدعو طهران لوقف هجماتها على الدول العربية، في مشهدٍ دبلوماسيٍ يعكس براعة المناورة وتجنب الصدام المباشر مع القوى الكبرى.
إن القرار لم يكن مجرد صياغة قانونية، بل هو رسالة سياسية مشفرة سعت من خلالها الدول الغربية لمطالبة إيران بـ"ضبط النفس" الإقليمي دون الانزلاق إلى فخ إدانة واشنطن أو تل أبيب، مما يبرز حالة التوازن الهش داخل أروقة نيويورك.
تكمن الأهمية في تحميل طهران المسؤولية المباشرة عن زعزعة استقرار المنطقة، وهو ما يمنح الخصوم غطاءً دولياً للضغط الاقتصادي والسياسي تحت شعار "حماية الأمن القومي العربي".
ومن منظور تحليلي، نجد أن هذا القرار يكرس ازدواجية المعايير الدولية؛ حيث يُسلط الضوء على أفعال طرفٍ مع غض الطرف عن استراتيجيات الطرف الآخر، مما يجعل من "مجلس الأمن" ساحةً لتصفية الحسابات بدلاً من كونه منصةً للعدالة المطلقة.
إنها مقامرة دولية تهدف لتطويق النفوذ الإيراني بالشرعية الأممية، في محاولةٍ أخيرة لترميم الثقة المهتزة في قدرة المنظمة الدولية على لجم الحروب بالوكالة قبل أن تشتعل النيران في كامل خارطة الشرق الأوسط.
في لحظة فارقة تتسارع فيها الأحداث، تحول "مخيم الهول" من سجن للذاكرة والواقع إلى ثغرة أمنية تقض مضاجع العالم؛ فبين ليلة وضحاها، تسلل نحو 20 ألف شخص من خلف أسواره، حاملين معهم بذور القلق ومخاوف من انبعاث جديد لتنظيم "داعش".
هذا الهروب الجماعي، الذي كشفت عنه الاستخبارات الأمريكية، لم يكن مجرد عبور لسياج متهالك، بل هو انعكاس لانهيار أمني دراماتيكي أعقب تبدل القوى المسيطرة وتراجع قبضة "قسد".
إن تفرق هؤلاء الفارين بين دروب سوريا، وتسلل بعضهم نحو تركيا والعراق، يضعنا أمام واقع إنساني وأمني مرير، حيث تتشابك التساؤلات حول دور القبائل المحلية والصفقات السياسية في تسهيل هذا الخروج.
وبينما تسعى الحكومة السورية لإفراغ ما تبقى من المنشأة المنهكة، تظل قضية آلاف النساء والأطفال من جنسيات مختلفة معلقة في مهب الريح، وسط صمت دولي مخيف يرفض استعادة مواطنيه.
إن ما يحدث في "الهول" اليوم ليس مجرد خبر صحفي، بل هو إنذار أخير بأن إهمال الجروح القديمة قد يؤدي إلى انفجار لا تحمد عقباه، يهدد استقرار المنطقة برمتها.