"ما الذي يتبقى من الأمل؟": سوريا تودّع خليل معتوق، ضمير المغيبين وشهيد العدالة
هذا الإعلان ليس مجرد نهاية لانتظار عائلة، بل هو فصل ختامي مؤلم في مسيرة رجلٍ كرس حياته ليكون صوت من لا صوت له. لم يكن معتوق محامياً عادياً، بل كان رمزاً للعدالة في زمن الظلم، حيث دافع بشجاعة نادرة عن معتقلي الرأي لعقدين، متولياً ملفات شائكة كأحداث القامشلي وإعلان دمشق.
إن قيمته الحقيقية تجاوزت قاعات المحاكم؛ فقد حوّل مكتبه إلى ملاذ إنساني لعائلات المعتقلين، مقدماً الدعم القانوني والمادي، وغالباً ما كان يمول القضايا من ماله الخاص.
اعتقاله في 2012 لم يكن مجرد إخفاء لشخص، بل كان محاولة لإعدام فكرة العدالة ذاتها. اليوم، وإذ تقرر عائلته "تحرير روحه"، فإنها بذلك لا تنعيه فقط، بل تكشف مجدداً عن مصير آلاف المغيبين قسراً، ليصبح "شهيد الكلمة" شاهداً أبدياً على مأساة وطن بأكمله.
"لا تلمسوا الرفات".. سوريا تفتح جراحها العميقة ومقبرة جديدة تكشف سباقاً ضد الزمن لحفظ الأدلة
ففي قرية أثرية بريف حماة، لم تعثر "الخوذ البيضاء" على آثار قديمة، بل على مقبرة جماعية جديدة تضم رفاتاً مجهولة.
هذا الاكتشاف، الذي سبقه اكتشاف آخر مروع في درعا بالأمس قرب حاجز سابق للنظام، ليس مجرد حدث مأساوي، بل هو سباق ضد الزمن. فبينما تقوم فرق الدفاع المدني بعملها الجراحي الدقيق (مسح الألغام أولاً، ثم التوثيق الجنائي)، أطلقوا نداءً يائساً للأهالي: "لا تلمسوا الرفات".
إن الخطر الحقيقي الآن لا يكمن في ما تخفيه الأرض فقط، بل في "النبش العشوائي" والتدخل غير المهني. فهذا العبث، وإن كان بدافع الألم، يطمس الأدلة الجنائية إلى الأبد، ويدمر أي أمل في تحديد هوية الضحايا أو ملاحقة مجرمي الحرب المسؤولين عن هذا الاختفاء القسري. إنها معركة للحفاظ على كرامة الموتى وحق الأحياء في العدالة.

