حرية ومسؤولية
«أمة الدوبامين» كتاب في علم النفس وطب الإدمان للطبيبة النفسية الأمريكية آنا ليمبيكي، صدر بالإنجليزية عن دار داتون التابعة لمجموعة بنغوين راندوم هاوس في آب/أغسطس 2021 تحت عنوان فرعي هو «إيجاد التوازن في عصر الانغماس»1، ونقلته علياء العمري إلى العربية في طبعة صادرة عن دار مدارك للنشر23. ينطلق الكتاب من مفارقة يلمسها كل منا: نعيش في أكثر العصور وفرةً بالمتع وسهولةً في الوصول إليها، ومع ذلك تتزايد معدلات القلق والاكتئاب والسلوك القهري. وتجيب المؤلفة عن هذه المفارقة من موقعها في عيادة الإدمان، فتمزج قصص مرضاها بما كشفته أبحاث الدماغ عن العلاقة بين اللذة والألم، ثم تقدّم خطة عملية لاستعادة التوازن.
آنا ليمبيكي أستاذة للطب النفسي والعلوم السلوكية في كلية الطب بـ[[جامعة ستانفورد|جامعة أمريكية بارزة في كاليفورنيا]]، والمديرة الطبية لبرنامج طب الإدمان فيها، درست الإنسانيات في جامعة ييل قبل أن تتخرج طبيبةً في ستانفورد4. عُرفت قبل هذا الكتاب بعملها على أزمة المسكنات الأفيونية في الولايات المتحدة، إذ أصدرت عام 2016 كتاب «طبيب تاجر مخدرات» الذي يشرح كيف أسهم الأطباء أنفسهم في تفشي إدمان الوصفات الطبية، ثم اتسعت شهرتها حين ظهرت في الفيلم الوثائقي [[المعضلة الاجتماعية|فيلم وثائقي عن أثر وسائل التواصل]] متحدثةً عن الطبيعة الإدمانية لوسائل التواصل4.
جاء «أمة الدوبامين» امتداداً لهذا المسار، لكنه انتقل من المخدرات وحدها إلى كل ما يمكن أن يتحول إلى إدمان في الحياة اليومية: الهاتف، والطعام، والتسوق، والألعاب الإلكترونية، والمحتوى الإباحي. ولم يمر صدوره عادياً؛ فقد تحول إلى واحد من الكتب العالمية الأكثر تأثيراً في تفسير علاقة الإنسان المعاصر بالمتعة، واستقطب اهتمام المختصين ووسائل الإعلام والقراء على السواء5. وتكمن قيمة الكتاب في أنه لا يكتفي بالنظرية، بل يستند إلى خبرة سريرية طويلة مع مرضى حقيقيين تُغيَّر أسماؤهم ويُعرض مسار تعافيهم.
تبني ليمبيكي أطروحتها على مادة [[الدوبامين|ناقل عصبي مرتبط بالرغبة والمكافأة]]، وتصحح تصوراً شائعاً عنها: فهي ليست «هرمون السعادة» كما يُقال، بل ترتبط أكثر بالدافع والرغبة وتوقّع المكافأة5. وكلما زاد مقدار الدوبامين الذي يطلقه نشاط ما وسرعة إطلاقه، ارتفعت قابلية هذا النشاط لأن يصير إدماناً.
أما الاكتشاف الذي تجعله المؤلفة حجر الزاوية فهو أن اللذة والألم يُعالجان في المناطق الدماغية نفسها، ويتصرفان ككفتي ميزان يسعى الدماغ دائماً إلى إبقائهما متعادلتين، وهو ما يُعرف بـ[[الاتزان الداخلي|ميل الجسم للحفاظ على استقرار وظائفه]]. فإذا مالت الكفة نحو اللذة بقطعة حلوى أو مقطع فيديو طريف، سارع الدماغ إلى معادلتها بدفعها قليلاً نحو الألم، فيعقب المتعةَ شعورٌ خفيف بالفتور أو الرغبة في المزيد.
المشكلة، كما تشرحها المؤلفة، تبدأ مع التكرار. فالدماغ يتكيف مع الجرعات المتتالية، فتضعف استجابته للذة نفسها ويشتد ميله التعويضي نحو الألم ويطول، حتى يصل الإنسان إلى حالة يحتاج فيها إلى المادة أو السلوك لا ليشعر بالمتعة، بل ليشعر بأنه طبيعي فحسب:
مع التعرض المتكرر لنفس منبه المتعة أو ما يشابهه، يصبح الميل المبدئي إلى جانب اللذة أضعف وأقصر، والاستجابة اللاحقة لجانب الألم تصبح أقوى وأطول.
آنا ليمبيكي، «أمة الدوبامين»
ومن هنا تفسّر ليمبيكي المفارقة التي بدأت بها: عالم الوفرة يقصفنا بمحفزات عالية الدوبامين لم تتطور أدمغتنا للتعامل معها، والهاتف الذكي في تشبيهها أشبه بإبرة حقن حديثة توصل جرعات رقمية على مدار الساعة. والنتيجة ميزان مائل باستمرار نحو الألم، يدفعنا إلى مطاردة متع أشد للحصول على إحساس أقل.
ترى المؤلفة أن ما تغيّر في عصرنا ليس طبيعة الإنسان بل بيئته؛ فالطعام والترفيه والتسوق والتواصل باتت متاحة بلمسة إصبع وفي كل ساعة، وسهولة الوصول عامل حاسم في نشوء الإدمان. ولهذا تنتشر السلوكيات القهرية اليوم بين جميع الأعمار، ولا تقتصر على من يتعاطون المخدرات.
أول علاج تقترحه ليمبيكي هو الامتناع المقصود عن مصدر الإدمان لمدة كافية، وتسميه «صيام الدوبامين»، وتقترح أن تكون المدة شهراً تقريباً، لأنها في خبرتها المدة التي يحتاجها مسار المكافأة في الدماغ ليستعيد شيئاً من توازنه. وتنظّم الخطوات في حروف الكلمة الإنجليزية (DOPAMINE)، ويشير كل حرف منها إلى مرحلة:
وتعدّ المؤلفة أعراض الانسحاب في الأيام الأولى علامة على قوة العادة لا على الفشل، فالانزعاج المؤقت جزء طبيعي من عودة الميزان إلى نقطته الأصلية.
الانقطاع المفاجئ عن بعض المواد، كالكحول والمهدئات والمسكنات الأفيونية، قد يسبب أعراض انسحاب خطيرة، ولذلك لا يجري الامتناع عنها إلا تحت إشراف طبي.
بعد الامتناع يأتي سؤال الاستمرار. وتنطلق ليمبيكي هنا من اعتراف صريح بحدود الإرادة، فالرغبة الشديدة قادرة على هزيمة أقوى العزائم، والحل الأذكى أن نصمم بيئتنا بحيث يصعب علينا الوصول إلى ما نحاول تجنبه. تسمي المؤلفة ذلك «إلزام الذات» (Self-binding)، وقد اختار ملخص تطبيق وجيز له تسمية «جهاد النفس»6. وتميّز بين ثلاثة أشكال منه:
إن أحد أشكال جهاد النفس هو إنشاء حواجز مادية أو مسافة جغرافية بين أنفسنا وبين السلوك الإدماني المفضل لدينا.
آنا ليمبيكي، «أمة الدوبامين»
ولا تستبعد المؤلفة الدواء؛ ففي الحالات الشديدة التي ينكسر فيها الميزان قد يحتاج المريض إلى علاج دوائي يصفه الطبيب ويتابعه، إلى جانب هذه الاستراتيجيات لا بديلاً عنها.
في أكثر فصول الكتاب إثارة للدهشة، تقترح ليمبيكي أن نسلك الاتجاه المعاكس: إذا كانت اللذة تستدعي ألماً تعويضياً، فإن الألم المعتدل المقصود يستدعي بدوره ميلاً تعويضياً نحو الرضا والارتياح، وغالباً ما يكون أطول أمداً. وتربط ذلك بمفهوم [[الهورميسيس|فائدة الجرعات الصغيرة من المؤثر الضار]] في علم الأحياء، وتضرب أمثلة بالتمارين الشاقة والاستحمام بالماء البارد، وتستحضر ملاحظة [[سقراط|فيلسوف يوناني من مؤسسي الفلسفة الغربية]] عن الارتياح الذي يعقب الألم. لكنها تحذر في المقابل من الإفراط، لأن الألم نفسه قد يتحول إلى إدمان جديد أو وسيلة أخرى للهروب، كما يحدث مع إدمان العمل.
تختم المؤلفة بما تعدّه أساس كل تعافٍ مستدام: الصدق مع النفس ومع الآخرين في كل صغيرة وكبيرة، وهو ما تسميه «الصدق الجذري». فالكذب يحرس الإدمان ويغذي الإنكار، أما قول الحقيقة فيكشف للمرء دوافعه ويضعه أمام مسؤوليته. وتروي في ذلك قصة مريضة اعتادت الكذب، وكانت نقطة تحولها اعترافاً بسيطاً لأخيها بأنها فتحت طرداً يخصه بعد أن أنكرت ذلك مراراً، فشعرت للمرة الأولى منذ زمن بالتحرر من الذنب والخوف.
وتفرّق ليمبيكي بين عار مدمّر يدفع صاحبه إلى العزلة والسرية فيعود إلى إدمانه، وعار بنّاء يُعاش داخل جماعة آمنة تقبل الاعتراف وتعين على الإصلاح. فحين يُشارَك الضعف في بيئة داعمة يفقد قدرته على الهدم، ويكتشف المرء أنه ليس وحيداً، كما أن الصدق معدٍ يشجع من حولنا على الصدق بدورهم.
لقي الكتاب انتشاراً واسعاً بعد صدوره، وتُرجم إلى العربية، وتناولته الصحافة العربية بوصفه من أبرز الكتب التي فسّرت علاقة الإنسان الحديث بالمتعة والإدمان والسعادة5. وأشادت مراجعات كثيرة بقدرته على تبسيط علم الأعصاب ونسجه في قصص مرضى حقيقيين، وبالخطة العملية التي يقدمها للقارئ العادي.
رأت مراجعة نشرتها مجلة «سياتل بوك ريفيو» أن الكتاب يقدم هدف التوازن بين اللذة والانسحاب تقديماً مقنعاً، لكنها نبّهت إلى أن الدوبامين لا يفسّر الصورة كلها، وأن آليات أخرى في الدماغ ما زالت تنتظر الكشف7. وفي مراجعات القراء على منصة ستوري غراف، رأى بعضهم أن الكتاب يدور حول علاج الإدمان أكثر مما يدور حول التكنولوجيا التي يَعِد بها عنوانه، وأن المؤلفة تطلق أحياناً تعميمات واسعة بأدلة محدودة8.
يناسب الكتاب كل من يشعر بأن هاتفه أو عادة ما باتت تتحكم في يومه، ومن يريد فهماً علمياً مبسطاً لآلية الإدمان دون مصطلحات معقدة، كما يفيد الآباء والمربين والعاملين في الصحة النفسية الباحثين عن لغة مشتركة مع من يتعاملون معهم. أما القارئ المتخصص في علم الأعصاب فقد لا يجد فيه جديداً علمياً كثيراً، لكنه سيجد فيه خبرة سريرية ثرية وطريقة عرض جذابة، وأدوات يمكن تجربتها فوراً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات