حرية ومسؤولية
شكري القوتلي (1891 – 1967م) هو أحد أبرز الزعماء السياسيين ورجال الدولة في التاريخ السوري والعربي الحديث، وأول رئيس للجمهورية السورية ينال استقلال البلاد الناجز في عهده عن الانتداب الفرنسي عام 1946م. ارتبط اسمه بمحطات تاريخية مفصلية في تاريخ الشام؛ حيث شغل منصب رئيس الجمهورية لولايتين متفرقتين (11943 – 1949م و1955 – 1958م)، وتنازل عن رئاسة الدولة طواعية لصالح قيام "الجمهورية العربية المتحدة" بين سوريا ومصر عام 1958م، ليُمنح رسمياً لقب "المواطن العربي الأول".
النشأة والتحصيل العلمي
وُلد شكري بن محمود القوتلي في حي الشاغور بالعاصمة السورية دمشق عام 1891م، لأسرة الدمشقية عريقة وثرية اشتغلت بالتجارة والزراعة والعقار. تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في المدرسة المكتبيّة بدمشق ومكتب عنبر، ثم أوفده والده إلى الإدارة الملكية بالآستانة (إسطنبول) في أواخر العهد العثماني ونال منها دبلوم العلوم السياسية والإدارية عام 1913م.
خسرت أسرته جانباً كبيراً من أملاكها الشاسعة جراء انخراط القوتلي المبكر في النضال السياسي والمناهضة للسياسات التعسفية لحكومة الاتحاد والترقي العثمانية، ثم الانتداب الفرنسي لاحقاً.
مقاومة الاتحاديين والانتداب الفرنسي
بدأ النشاط السياسي للقوتلي بانضمامه إلى جمعية "الفتاة" العربية السرية المناهضة للتتريك والمطالبة بالحقوق العربية. في عام 1916م، ألقى السلطات العثمانية القبض عليه واقتادته إلى سجن خان الخياط بديا، حيث تعرض لتعذيب شديد على يد جمال باشا السفاح. ولخشيته من إفشاء أسرار زملائه في الجمعية تحت وطأة التعذيب، حاول القوتلي الانتحار بقطع شريان معصمه داخل سجنه، إلا أن صديقه الطبيب أحمد قدري أنقذ حياته في اللحظات الأخيرة.
عقب فرض الانتداب الفرنسي على سوريا عام 1920م وتفكيك المملكة السورية العربية، عارض القوتلي الوجود الفرنسي بشدة، وحُكم عليه بالإعدام غيابياً، فغادر إلى أوروپا ثم القدس والقاهرة والرياض، حيث توثقت علاقته بالملك عبد العزيز آل سعود والأمير شكيب أرسلان. وساهم بفعالية في دعم الثورة السورية الكبرى (1925 – 1927م) بتوفير السلاح والمؤن للثوار.
قيادة الكتلة الوطنية والاستقلال
عاد القوتلي إلى سوريا بموجب عفو عام وشكّل مع إبراهيم هنانو وهاشم الأتاسي وحسني البرازي قيادة "الكتلة الوطنية" التي قادت النضال السلمي والدبلوماسي ضد سلطات الانتداب. تولى وزارة الدفاع والمالية في حكومة جميل مردم بك عام 1936م، وواصل المطالبة بالاستقلال التام والتضامن العربي.
تدرج القوتلي في العمل الوطني حتى انتُخب رئيساً للجمهورية السورية لأول مرة في 17 آب/أغسطس 1943م. وقاد البلاد بصلابة خلال أحداث قصف دمشق العدواني من قِبل القوات الفرنسية في أيار/مايو 1945م، ورفض التنازل عن أي شبر من السيادة حتى أثمرت الجهود عن جلاء آخر جندي فرنسي عن الأراضي السورية في 17 نيسان/أبريل 1946م، وهو اليوم الذي تحول إلى عيد جلاء سوريا الوطني.
الرئاسة، الانقلاب، والعودة للسياسة
أُعيد انتخاب القوتلي لفترة رئاسية ثانية عام 1948م بعد تعديل الدستور. وفي عهده خاض الجيش السوري حرب فلسطين عام 1948م. أدت تداعيات الحرب والاضطرابات السياسية إلى وقوع أول انقلاب عسكري في تاريخ سوريا والوطن العربي بقيادة قائد الجيش حسني الزعيم في 30 آذار/مارس 1949م. أُجبر القوتلي على الاستقالة واُعتقل لفترة قبل أن يُنفى إلى الإسكندرية بمصر.
عقب الإطاحة بنظام أديت الشيشكلي واستعادة الحياة الديمقراطية البرلمانية، عاد شكري القوتلي إلى دمشق وترشح مجدداً للانتخابات الرئاسية، ليفوز وينتخب رئيساً للجمهورية للمرة الثانية في أيلول/سبتمبر 1955م.
الوحدة مع مصر ولقب "المواطن الأول"
شهدت فترته الرئاسية الثانية تقارباً كبيراً مع مصر والتصدي للحلف الاستعماري في المنطقة. ومع تزايد التهديدات الإقليمية وضغوط الضباط السوريين، اندفع القوتلي لتحقيق حلم الوحدة العربية؛ فتوجس من المخاطر ووقّع مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر اتفاقية اندماج سوريا ومصر وإعلان "الجمهورية العربية المتحدة" في 22 شباط/فبراير 1958م.
تنازل القوتلي عن كرسي الرئاسة لإنجاح قيام دولة الوحدة، ومُنح رسمياً بقرار تشريعي لقب "المواطن العربي الأول" تقديراً لتضحيته بنفوذه الشخصي ورئاسته في سبيل الهدف القومي العربي.
وفاته وتشييعه
اعتزل القوتلي العمل السياسي بعد انحلال عقد الوحدة السورية المصرية ونشوب انقلاب الانفصال عام 1961م، ثم غادر للعيش بين بيروت والقاهرة. تُوفي في العاصمة اللبنانية بيروت يوم 30 حزيران/يونيو 1967م عقب أزمة قلبية بعد أيام من نكسة حزيران. ونُقل جثمانه إلى دمشق حيث شُيّع في جنازة مهيبة حضرها مئات الآلاف من أبناء الشعب السوري، ودُفن في مقبرة باب الصغير بجوار أجداده.
— سيرة ذاتية من إعداد "الموسوعة لـ Syria24.News" —