حرية ومسؤولية
مضيق باب المندب هو ممر مائي يقع في جنوب غرب آسيا وشمال شرق أفريقيا، يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن (ومن ثم المحيط الهندي). يُعد أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يشكل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وهو شريان حيوي للتجارة العالمية ونقل الطاقة. يفصل المضيق بين قارتي آسيا (اليمن) وأفريقيا (جيبوتي وإريتريا)، ويبلغ عرضه حوالي 30 كيلومتراً عند أضيق نقطة. يكتسب المضيق أهمية استراتيجية كبرى كونه نقطة عبور إلزامية للسفن المتجهة من وإلى قناة السويس، مما يجعله محوراً للتنافس الجيوسياسي والأمني بين القوى الإقليمية والدولية. شهد المضيق في السنوات الأخيرة توترات أمنية متصاعدة، خاصة مع هجمات الحوثيين على السفن التجارية والعسكرية، مما أدى إلى تشكيل تحالفات دولية لحماية الملاحة فيه.
الموقع الجغرافي
يقع مضيق باب المندب بين الإحداثيات (12°28'40" شمالاً، 43°19'19" شرقاً) و (12°40'20" شمالاً، 43°27'30" شرقاً). تبلغ المسافة بين ضفتي المضيق حوالي 30 كيلومتراً (20 ميلاً) من رأس منهالي على الساحل الآسيوي، إلى رأس سيان على الساحل الإفريقي. تفصل جزيرة بريم (مَيّون) التابعة لليمن المضيق إلى قناتين: القناة الشرقية، المعروفة بـ "باب إسكندر"، ويبلغ عرضها 3 كيلومترات وعمقها 30 متراً. أما القناة الغربية، التي تسمى "دقة المايون"، فعرضها 25 كيلومتراً ويصل عمقها إلى 310 أمتار. بالقرب من الساحل الإفريقي توجد مجموعة من الجزر الصغيرة تعرف بـ "الأشقاء السبعة". يُعد المضيق نتاجاً للحركة البنائية للصدع السوري الإفريقي، الذي كوّن البحر الأحمر في أواخر الحقبة الجيولوجية الثالثة.
التسمية
تعددت الروايات حول سبب تسمية المضيق بـ "باب المندب". يقال إن الاسم جاء من "ندب" بمعنى جاز وعبر. وهناك رأي يربطه بـ "ندب الموتى" ويربطه بعبور الأحباش إلى اليمن. وفي رواية أخرى، سمي بذلك لأن العرب قديماً كانوا إذا غزوا الأفارقة وسبوا بناتهم واستعبدوا أولادهم، ينقلونهم عبر هذا المضيق، فكانت أمهات السبايا يبكين ويندبن على فقد أولادهن. كما توجد أسطورة أخرى تقول إن سبب التسمية يعود إلى عدد الذين غرقوا في البحر بسبب هزة أرضية فصلت بين قارتي آسيا وأفريقيا.
الأهمية الاقتصادية
ظلت أهمية باب المندب محدودة حتى افتتاح قناة السويس عام 1869، التي ربطت البحر الأحمر بالبحر المتوسط، فتحول المضيق إلى أحد أهم ممرات النقل البحري في العالم. يمر عبر المضيق سنوياً أكثر من 21,000 قطعة بحرية (57 قطعة يومياً). في عام 2016، مر عبر المضيق نحو 4.8 ملايين برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية المكررة، أي نحو 6.7% من تجارة النفط العالمية. يمثل المضيق أهمية بالغة لمصر، حيث أن نحو 98% من البضائع والسفن الداخلة التي تمر عبر قناة السويس تمر عبر باب المندب. يُعد باب المندب رابع أكبر الممرات المائية في العالم من حيث عدد براميل النفط التي تمر عبره يومياً.
التاريخ والصراعات
في أوائل القرن الثامن عشر، تنافست بريطانيا والإمبراطورية العثمانية وفرنسا للسيطرة على المنطقة. استولى البريطانيون على عدن عام 1839، وركزت فرنسا على الساحل الأفريقي، وأنشأت مستعمرة أرض الصومال الفرنسية عام 1888. غادر البريطانيون اليمن وميناء عدن عام 1967. في عام 1973، أغلقت اليمن المضيق على إسرائيل خلال حرب أكتوبر. في يوليو 2018، أعلنت السعودية تعليقاً مؤقتاً لصادراتها النفطية عبر المضيق بعد هجوم الحوثيين على سفينتين محملتين بالنفط الخام. في عام 2023، على إثر الحرب الفلسطينية الإسرائيلية، شن الحوثيون هجمات على السفن التي يزعمون أنها متجهة لإسرائيل، مما أدى إلى تعطيل ميناء إيلات وارتفاع أسعار الشحن البحري. رداً على ذلك، شكلت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول أخرى "تحالف حارس الازدهار" في ديسمبر 2023 لردع هجمات الحوثيين، وبدأ التحالف بشن غارات على اليمن في مطلع 2024.
التنافس الجيوسياسي
يعتبر التنافس من أجل السيطرة على مضيق باب المندب والبحر الأحمر جزءاً من صراع إقليمي أكبر بين إيران وحلفائها من جهة، والمملكة العربية السعودية والإمارات ومصر وحلفائهم من جهة أخرى. سارعت قوات الحوثي وحلفاؤها، منذ بداية الحرب الأهلية في اليمن، للسيطرة على الموانئ اليمنية الاستراتيجية والمناطق الساحلية، وأهمها مضيق باب المندب. لليمن أفضلية استراتيجية في السيطرة على الممر لامتلاكه جزيرة بريم، إلا أن القوى الكبرى عملت على إقامة قواعد عسكرية قربه. كما سعت الأمم المتحدة في عام 1982 لتنظيم موضوع الممرات المائية الدولية، ودخلت اتفاقيتها "اتفاقية جامايكا" حيز التنفيذ في نوفمبر 1994.
— مقالة من إعداد "الموسوعة لـ Syria24.News" —