حرية ومسؤولية
تتزامن هذه التحذيرات الدبلوماسية مع اشتعال المواجهات الميدانية على امتداد الساحل الغربي اليمني، حيث رصدت تقارير عسكرية تحركات مكثفة للحوثيين في محيط الممرات البحرية الحيوية وأنباء ميدانية غير مؤكدة رسمياً حول جزيرة زقر الاستراتيجية. وتخشى الحكومة المعترف بها دولياً من تآكل خطوط التماس الهشة التي صمدت لسنوات، خاصة بعد عودة التصعيد العسكري إلى جبهات حيوية عدة منذ مطلع يوليو الماضي، ما يهدد بانهيار الهدوء النسبي الذي رعته أطراف إقليمية ودولية. ويرى مراقبون أن سعي الحوثيين للسيطرة على نقاط بحرية حاكمة يهدف إلى فرض شروط تفاوضية مشددة على المجتمع الدولي وتوسيع نفوذهم العسكري خارج اليابسة، مستغلين تعقيدات النزاع اليمني المستمر منذ خريف 2014. كما تطالب الدبلوماسية اليمنية بتطبيق قرارات مجلس الأمن الخاصة بحظر تدفق الأسلحة والمعدات النوعية للجماعة، لوقف استخدام الصواريخ الباليستية والزوارق المسيرة في استهداف خطوط الإمداد والتجارة العالمية، محذرة من أن التراخي الدولي قد يدفع المنطقة نحو مواجهة بحرية واسعة النطاق تعطل حركة الملاحة العالمية لشهور طويلة مقبلة وتضاعف كلفة التأمين البحري على سفن الشحن.
في تصعيد دراماتيكي يواكب إغلاق إيران لمضيق هرمز، هددت جماعة "أنصار الله" (الحوثيون) في اليمن بإغلاق مضيق باب المندب بشكل كامل، واصفةً قدرتها على التحكم في هذا الممر الحيوي بأنها "مطلقة".
ووجه القيادي في الجماعة، حسين العزي، رسالة مباشرة وشديدة اللهجة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤكداً أن قرار الإغلاق إذا اتُّخذ، فلن تقوى أي قوة في الأرض —بما وصفه بـ "الإنس والجن"— على إعادة فتحه، في إشارة إلى الجاهزية العسكرية والأسلحة النوعية التي يمتلكها الحوثيون لتعطيل حركة الملاحة الدولية تماماً.
وتأتي هذه التهديدات كترجمة عملية لسياسة "وحدة الساحات"؛ حيث ربط الحوثيون أمن البحر الأحمر بمسار السياسات الأمريكية في المنطقة وبالحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.
وطالب العزي الإدارة الأمريكية بإنهاء ما وصفه بالسياسات المعيقة للسلام وإظهار الاحترام لحقوق الشعوب، محذراً من أن استمرار "البلطجة البحرية" الأمريكية سيؤدي إلى شلل تام في طرق التجارة العالمية التي تمر عبر المضيق اليمني، وهو ما يمثل ضغطاً هائلاً على إدارة ترامب التي تراهن على الاستقرار الاقتصادي لتعزيز صورتها داخلياً.
إن تلويح الحوثيين بإغلاق باب المندب في ربيع عام 2026 يضع المجتمع الدولي أمام "كماشة بحرية" خانقة؛ فمع إغلاق هرمز من جهة والتهديد بإغلاق المندب من جهة أخرى، تصبح إمدادات النفط والغاز والسلع العالمية رهينة للتوافقات السياسية الكبرى.
الساعات القادمة ستكون حاسمة في تحديد مدى جدية هذه التهديدات، وما إذا كان "أنصار الله" سيبدأون فعلياً في اعتراض السفن التجارية لفرض واقع ميداني جديد يجبر واشنطن على التراجع عن حصارها البحري المفروض على طهران ووقف عملياتها العسكرية في المنطقة.