حرية ومسؤولية
توصل الجانبان اللبناني والسوري إلى اتفاق استراتيجي يقضي بإعادة إحياء وتفعيل مشروع الربط السككي بين البلدين، بعد عقود من التوقف الناجم عن تداعيات الحرب والدمار. جرى توقيع التفاهم خلال اجتماعات موسعة عقدت في العاصمة اللبنانية بيروت بين لجان فنية مشتركة، وضعت جدولاً زمنياً دقيقاً لتقييم الأضرار الهندسية في المسارات الحديدية وتأهيل المحطات الرئيسية الواصلة بين بيروت ودمشق وصولاً إلى الحدود الشمالية.
تمثل شبكة السكك الحديدية العصب الحقيقي للاقتصاد الإقليمي، إذ تتيح نقل البضائع والركاب بتكاليف زهيدة ومستدامة مقارنة بالنقل البري الذي اثقل كاهل الموازنات بسبب أزمات الوقود واهتراء الطرقات. عانت البنى التحتية لقطاع النقل المشترك في كلا البلدين من إهمال وتخريب متعمد خلال سنوات النزاع، مما جعل إعادة ربطهما ضرورة ملحة لدعم حركة الصادرات الزراعية والصناعية وتخفيف الأعباء اللوجستية عن التجار والمواطنين. تسعى الإدارات الجديدة في البلدين لاستثمار هذا المشروع الحيوي لكسر العزلة الاقتصادية وجذب تمويلات دولية تركز على مشاريع التعافي المبكر والتكامل الإقليمي، وسط ترحيب واسع من قطاعات الأعمال التي تنتظر تشغيل القطارات لخفض تكاليف الشحن وتنشيط حركة السياحة البينية بين العاصمتين.
تثير التطورات الدبلوماسية والاقتصادية المتلاحقة في العاصمة دمشق قراءات استراتيجية لافتة حول حجم وسرعة تدفق الشركات الغربية الكبرى نحو سوق إعادة الإعمار السورية؛ إذ عُقد في مبنى وزارة النقل بدمشق اليوم، الثلاثاء 19 أيار 2026، اجتماع رفيع المستوى جمع وزير النقل السوري، يعرب بدر، مع وفد شركة "KBR" الأمريكية العملاقة المتخصصة في الأعمال الإنشائية والاستشارات الهندسية، ممثلة بمسؤول الاستراتيجية والتطوير الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط ديفيد إدجينتون.
ويكتسب هذا اللقاء أهمية استثنائية لكونه يمثل أول اختراق رسمي لافت لشركات البناء والاستشارات الأمريكية نحو المؤسسات الحكومية السورية عقب الرفع التاريخي للعقوبات الأوروبية والأمريكية عن الكيانات السيادية في البلاد.
وتركزت المباحثات بين الجانبين حول سبل الاستفادة من الخبرات العالمية للشركة الأمريكية في تحديث وتطوير شبكات الطرق والبنية التحتية، حيث استعرض الوزير بدر حزمة من المشاريع الاستراتيجية الحيوية التي تشكل عصب الاقتصاد السوري، وفي مقدمتها المحاور البرية الكبرى (شمال–جنوب وغرب–شرق)، وطريق دمشق–حلب الدولي، بالإضافة إلى تحديث وتأهيل شبكات السكك الحديدية، وتحديث الدراسات الاقتصادية القديمة التي لم تعد تواكب المتغيرات الراهنة، وفي مقدمتها دراسة "بارسون" الشهيرة الصادرة عام 2008.
وشدد الجانب السوري خلال الاجتماع، الذي حضره مدير المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية معاذ نجار، ومدير النقل البري علي أسبر، على الموقع الجغرافي الحيوي الذي تمتلكه سوريا باعتبارها الممر التقليدي والاستراتيجي الأقصر لربط دول الخليج العربي بالقارة الأوروبية، ودورها الأساسي في ضمان استمرارية واستدامة سلاسل الإمداد والتوريد العالمية وتقليل زمن الشحن البري والبحري.
واتفق الطرفان في ختام المباحثات على تشكيل لجان فنية مشتركة لعقد اجتماعات لاحقة تحدد الاحتياجات والجدوى الاقتصادية بدقة، وبدء إجراءات تسجيل الشركة الأمريكية رسمياً ضمن المنصات الحكومية تمهيداً للمنافسة على إعلانات المشاريع والمناقصات المستقبلية، مما يؤكد أن دمشق تكرس موقعها الجديد كحلقة وصل إقليمية جاذبة للاستثمارات الدولية الكبرى لطي صفحة الحرب تماماً.