حرية ومسؤولية
في رحلة بحث مضنية كشفت عنها مجلة "PNAS"، نجح فريق دولي من العلماء في فك لغز "قمح الخبز" الذي طالما حيّر البشرية، محددين جورجيا وتحديداً مستوطنات العصر الحجري الحديث كموطن أصلي لنشأته.
النقطة الجوهرية في هذا الاكتشاف تكمن في تقديم دليل مادي قاطع عبر فحص "محاور السنابل" وليس الحبوب وحدها، حيث أثبتت جوانبها المنحنية وحوافها الرقيقة أنها تنتمي للقمح العادي (Triticum aestivum)، لينهي العلم جدلاً طويلاً حول مكان تزاوج القمح المستأنس مع "إيغيلوبس" البري.
وبفضل التأريخ بالكربون المشع، تأكد أن هذا التحول الوراثي المذهل حدث في بداية الألفية السادسة قبل الميلاد، ما يطابق التوقعات الجينية السابقة بالدليل الأثري الملموس.
أما البعد الإنساني الأعمق، فيتجلى في عبقرية المزارعين القدماء في جنوب القوقاز، الذين لم يكتفوا بابتكار "الزراعة المتنقلة" لاستدامة التربة، بل يبدو أنهم قدموا للعالم ثنائية "الخبز والنبيذ" في آن واحد، حيث تشير البقايا الفخارية في القرى ذاتها إلى أقدم صناعة نبيذ في التاريخ.
إن هذا الاكتشاف يعيد صياغة فهمنا للثورة الزراعية، مؤكداً أن السنبلة التي نراها اليوم هي إرث حضاري صيغ بدقة في مختبرات الطبيعة القوقازية قبل ثمانية آلاف عام.
الحادث المأساوي وقع في منطقة حدودية حساسة، قرب الخط الفاصل بين جورجيا وأذربيجان. لم يضيع الوقت؛ ففي سباق حقيقي مع الزمن، انطلقت "أعمال البحث والإنقاذ" على الفور.
المشهد يعكس تضامناً عاجلاً، حيث تعمل الفرق التركية بالتنسيق الكامل مع السلطات في باكو وتبليسي لتمشيط المنطقة الوعرة. ومع إرسال أعداد كبيرة من فرق الإنقاذ إلى موقع التحطم، تبقى القلوب معلقة والأنظار شاخصة نحو تلك الحدود، على أمل العثور على ناجين، بينما بدأت التحقيقات الميدانية في محاولة يائسة لفهم ما حدث في هذه الرحلة الأخيرة.