حرية ومسؤولية
أنهت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي السورية حالة القلق والجدل التي طالت شريحة واسعة من الطلاب، بنفيها القاطع لوجود أي اختلاف بين الشهادات الصادرة عن جامعة حلب وتلك التي مُنحت لطلاب "جامعة حلب في المناطق المحررة" سابقاً.
وجاء هذا التوضيح استكمالاً لقرار دمج "جامعة حلب في المناطق المحررة" -والتي تتخذ من مدينة اعزاز مقراً لها- مع جامعة حلب الأم، وهو القرار الذي أُعلن عنه رسمياً في 18 آب الماضي، ليثبت حقوق الطلاب اعتباراً من الأول من تشرين الأول 2025.
وفي هذا السياق، أكد مدير المكتب الإعلامي في الوزارة، أحمد الأشقر، أن جميع الشهادات التي ستصدر بعد قرار الدمج ستُمنح حصراً باسم "جامعة حلب" دون أي تمييز، مما يضمن عدم المساس بمكتسبات الخريجين.
ولتبديد أي مخاوف متبقية، وجهت رئاسة جامعة حلب دعوة للطلاب الذين يملكون أي استفسارات أو تظلمات تخص شهاداتهم لمراجعة الجامعة مباشرة، متعهدةً بمعالجة كافة الطلبات وفق الأصول بما يحفظ حقوقهم العلمية والمهنية.
تُعد هذه الخطوة بمثابة قرار تاريخي يهدف إلى تعزيز وحدة المؤسسات الأكاديمية السورية، وتسخير كافة الإمكانات لاستمرار العملية التعليمية وتطويرها بما يخدم تطلعات ومستقبل الطلاب.
في خطوة جريئة ومفصلية تهدف إلى إعادة هيكلة وتوحيد قطاع التعليم العالي في المحافظات الشمالية، أصدر الرئيس أحمد الشرع، رئيس الجمهورية، أربعة مراسيم رئاسية متتالية (193، 194، 195، و 196) لعام 2025.
وتُعد هذه القرارات تتويجًا لجهود توحيد المؤسسات الأكاديمية بعد سنوات من الانقسام الإداري والجغرافي، مما يرسم خارطة جديدة للتعليم الجامعي.
تمركزت المراسيم حول نقطتين محوريتين: ترسيخ جامعة إدلب ككيان مستقل موحد وإعادة دمج الكليات الحكومية التابعة لجامعة حلب.
أصدر الرئيس الشرع المرسوم رقم (193)، وهو الأكثر شمولاً، والذي نص على:
الاعتراف الرسمي والتاريخي: اعتبار جامعة إدلب محدثة بشكل قانوني ورسمي اعتباراً من تاريخ 2 آب 2015، مع تثبيت ملاكها العددي من التاريخ ذاته. هذا يمنح الجامعة صفة قانونية رجعية لأعمالها.
عملية الدمج الواسعة: قرر المرسوم دمج كليات "جامعة حلب الشهباء" وكليات "جامعة إدلب في سلقين" ضمن جامعة إدلب الأم، وإضافة ملاكهما العددي إلى ملاك جامعة إدلب.
تسوية أوضاع الكوادر: سيتم نقل أعضاء الهيئة التعليمية والعاملين الإداريين من الجامعتين المدموجتين إلى جامعة إدلب، مع التكليف بـتسوية أوضاعهم بقرارات من مجلس التعليم العالي ووزير التعليم العالي والبحث العلمي.
إلغاء فرع إدلب (المرسوم 196): ألغى المرسوم رقم (196) فرع جامعة حلب في إدلب المحدث عام 2008، وقرر إضافة ملاكه العددي لجامعة حلب الأم، مما يؤكد الانسحاب الرسمي لأي هيكل تابع لجامعة حلب من إدلب.
دمج كليات "المناطق المحررة" (المرسوم 195): نص المرسوم رقم (195) على دمج كليات جامعة حلب التي كانت تعمل في "المناطق المحررة" (في إشارة للمناطق التي استعادتها الحكومة مؤخرًا) بـجامعة حلب، مع نقل وتسوية أوضاع الكوادر التعليمية والإدارية.
أكمل المرسوم رقم (194) الصورة التنظيمية، حيث أقرّ تحديث مستشفى إدلب الجامعي اعتباراً من 21 كانون الثاني 2020، وثبّت ملاكه العددي من ذلك التاريخ، مما يمنحه صفة قانونية ليكون جزءاً أساسياً من الهيكلية التعليمية الجديدة.
هذه القرارات تشكل نقلة نوعية في معالجة إشكالية الجامعات الموازية والمؤسسات التعليمية المنفصلة التي ظهرت خلال سنوات النزاع. يمثل المرسوم (193) الخاص بجامعة إدلب خطوة شجاعة وواقعية حيث يعترف بأمر واقع (تأسيس الجامعة بتاريخ 2015) ثم يُخضعه للهيكلية الحكومية الرسمية عبر دمج الكيانات الأخرى تحت مظلته.
الاستقرار الأكاديمي: ينهي المرسوم حالة الغموض وعدم اليقين التي عاشها آلاف الطلاب وأعضاء الهيئة التعليمية بشأن الاعتراف بشهاداتهم ومرجعيتهم القانونية، مما يعزز الثقة في النظام التعليمي.
التحدي التنظيمي: تتطلب عملية الدمج الشاملة ونقل وتسوية أوضاع الكوادر جهدًا ضخمًا ومنظمًا من قبل وزارة التعليم العالي لضمان العدالة والشفافية في تطبيق المراسيم.
البُعد السيادي: تؤكد هذه المراسيم على إعادة بسط سلطة الدولة السيادية على أهم قطاعاتها، وهو التعليم، عبر توحيد المؤسسات تحت مرجعية حكومية واحدة، لضمان معايير أكاديمية موحدة.
يُتوقع أن تكون هناك مباركة ودعم من الأوساط الحكومية والتعليمية. لم يتسنَّ التأكد من ردود الأفعال لدى الأطراف التي كانت تدير جامعة حلب الشهباء أو فرع سلقين سابقاً، لكن هذه الخطوات تنهي وجودهما ككيانات مستقلة، وتفرض عليها الاندماج الكامل في الهيكلية الحكومية الجديدة لجامعة إدلب.
وفي تطور لاحق، أعلن المكتب الإعلامي للأمن الداخلي في حلب أن القوات الأمنية ألقت القبض على "عدة متورطين" في اغتيالات وهجمات سابقة استهدفت شخصيات قيادية بارزة. هذا الإعلان يأتي في سياق حملة أمنية مستمرة لملاحقة المجموعات الخارجة عن القانون، بهدف "تعزيز الأمن والاستقرار في مختلف المناطق".
من الناحية التحليلية، يشير توقيت ومكان هذه الجريمة إلى تحديات أمنية خطيرة لا تزال تواجهها مدينة حلب، رغم الإجراءات الأمنية المكثفة. فاستهداف شخصية أكاديمية وطبية معروفة في وضح النهار يثير القلق بشأن دوافع هذه الهجمات، سواء كانت جنائية أم سياسية. كما أن إعلان الأمن الداخلي عن إلقاء القبض على متورطين في اغتيالات سابقة، بما في ذلك منفذ اغتيال القيادي علاء الدين أيوب "الفاروق أبو بكر" الذي سلّم نفسه، يؤكد على وجود خلايا منظمة تعمل على زعزعة الأمن، وأن الأجهزة الأمنية تواصل عملها لمواجهة هذا التهديد.
تبقى الأسئلة مفتوحة حول هوية الجناة ودوافعهم الحقيقية في اغتيال الدكتور زينو. ففي ظل الظروف الراهنة، يمكن أن تكون الأسباب مرتبطة بتصفية حسابات، أو محاولة لزعزعة الاستقرار في المدينة. وعليه، فإن التحقيقات الأمنية الجارية هي السبيل الوحيد لكشف ملابسات هذه الجريمة وتحديد الجهات المسؤولة عنها.