حرية ومسؤولية
في لحظة فارقة من تاريخ الجغرافيا السورية، يمضي الفريق الرئاسي بخطى حثيثة نحو لمّ الشمل وطوي صفحة الركام التي خلفتها سنوات التباعد، حيث أكد المتحدث أحمد الهلالي أن الدولة السورية، بقلب مفتوح وعقل سياسي ناضج، تستوعب كافة أبنائها الكرد بعيداً عن لغة "الكانتونات" الضيقة.
إن هذا الحراك يرتكز أولاً على تكريس الهوية الوطنية الجامعة، من خلال إشراك الكرد في أعلى هرم السلطة وإدارة مناطقهم كشركاء أصلاء في الوطن لا كأقليات معزولة.
وثانياً، يهدف الاتفاق إلى تفكيك الهياكل الانفصالية وتحويلها إلى مؤسسات رسمية تابعة للدولة السورية الموحدة، مما يعني ذوبان "الإدارة الذاتية" في جسد الجمهورية.
أما النقطة الثالثة، فهي استعادة السيادة والمؤسسات عبر إعادة فتح المحاكم والدوائر الرسمية في الحسكة، وهي رسالة طمأنة للنخب التي تخشى القمع العابر للحدود.
إن دعوة دمشق للكرد للعودة إلى كنف "الدولة الأم" -كما كانت قبل عقود حين اعتلى الكرد سدة الرئاسة- ليست مجرد مناورة سياسية، بل هي ضرورة وجودية لإعادة مياه السيادة إلى مجاريها وتجفيف منابع الانقسام، في رهان تاريخي يقوده العميد زياد العايش ومظلوم عبدي لإنهاء قطيعة الأربعة عشر عاماً وبناء مستقبل يتسع لجميع السوريين تحت سقف دمشق.
بين أزقة أربيل الصامتة، غيب الموت القيادي الكردي السوري البارز صالح مسلم، ليرحل بجسده تاركاً وراءه فصلاً طويلاً من الصراع والأمل والتحولات السياسية العميقة في المنطقة.
لم يكن مسلم مجرد اسم في معادلة الشمال السوري، بل كان مهندساً لمشروع "الإدارة الذاتية" الذي أثار جدلاً إقليمياً واسعاً؛ فبرحيله، تفتقد الساحة الكردية شخصية صلبة واجهت أعاصير السياسة الدولية، بدءاً من دوره في تأسيس حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، وصولاً إلى قيادته للحراك الكردي وسط أمواج الثورة السورية المتلاطمة.
إن غيابه اليوم في عاصمة إقليم كردستان العراق يحمل دلالات رمزية وتاريخية، ويضع الحركة الكردية أمام استحقاق صعب لإعادة ترتيب الأوراق في ظل غياب "البوصلة" التي وجهت دفة القرار لسنوات.
في تصعيد يكشف عمق أزمة الثقة، أعلنت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية رفضها القاطع لرفع "الإدارة الذاتية" (قسد) للعلم السوري على معبر سيمالكا الحدودي، واصفة الخطوة بـ "الأحادية" التي تهدف إلى "خلط الأوراق".
وأكد المسؤول في الهيئة، مازن علوش، عدم التنسيق مع الحكومة المركزية بهذا الشأن.
وتأتي هذه المناورة في وقت حرج، حيث كشف المتحدث باسم وفد "الإدارة الذاتية"، ياسر السليمان، عن وجود "ضغوط كبيرة" على جميع الأطراف السورية للتوصل إلى تفاهمات تضمن وحدة الأراضي السورية وسلامة شعبها.
ورغم الخلاف الأخير، أشار السليمان إلى أن "الإدارة الذاتية" مستعدة لدمج المؤسسات، وفقاً لاتفاق 10 آذار الموقع بين الرئيس أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي.
إن رفض دمشق لخطوة رفع العلم، رغم دلالاتها الوطنية، يؤكد أن التوحيد يجب أن يتم عبر تفاهمات هيكلية لا عبر مبادرات فردية مثيرة للجدل.