حرية ومسؤولية
استنفرت قوى الأمن الداخلي السوري وحداتها الميدانية في مدينة عين العرب كوباني فجر اليوم السبت، عقب هجمات مباغتة نفذتها مجموعات خارجة عن القانون طالت مقرات أمنية وآليات حكومية، ما أشعل حالة احتقان واسعة شلت الحركة التجارية في الشوارع الرئيسية.
تزامنت هذه الاعتداءات مع اضطرابات مماثلة في مدينة القامشلي شمال شرقي البلاد، حيث أقدم مسلحون على تهديد أصحاب المحال التجارية وإجبارهم على إغلاق أبوابها تحت التهديد المباشر، مع الاعتداء بالضرب على من رفض الامتثال لأوامرهم. وتأتي هذه التطورات الميدانية المتزامنة وسط ترقب أمني حذر على امتداد الشريط الشمالي، بعدما دفعت قيادة الشرطة بتعزيزات إضافية لحماية المنشآت الحيوية ومنع استغلال التوتر في توسيع رقعة الفوضى. ويرى مراقبون أن استهداف المؤسسات الرسمية في هذا التوقيت يرمي إلى إرباك خطط الاستقرار الإقليمي وتعميق الانقسام في مناطق الإدارة المشتركة، خصوصاً مع تنامي الاستياء الشعبي من ممارسات المجموعات المسلحة غير المنضبطة وفرض الإتاوات على القطاع الخاص. وباشرت الأجهزة المختصة تحقيقات مكثفة لتعقب المنفذين وملاحقة المحرضين على إحراق المقرات، بموازاة اتصالات محلية لوجهاء العشائر لتهدئة الشارع ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهات دامية تعطل حركة الإمدادات وتضر بمصالح المدنيين القاطنين على طول الحدود.
أصدرت وزارة التربية والتعليم السورية اليوم الخميس قراراً يقضي بقبول تسجيل الطلاب الحاصلين على شهادات التعليم الأساسي والوثائق المدرسية الصادرة عن الإدارة الذاتية سابقاً في المدارس الحكومية، تزامناً مع نشر قوائم المؤسسات التعليمية المعتمدة رسمياً لتدريس اللغة الكردية بمختلف المحافظات.
يحدد القرار الوزاري معدل خمسة وخمسين بالمئة كشرط لالتحاق حملة تلك الشهادات بالصف الأول الثانوي العام، مع السماح لطلاب المراحل الانتقالية باستكمال تعليمهم استناداً إلى وثائق التسلسل والجلاء المدرسي المتوفرة بحوزتهم. وتستند هذه التسهيلات الإجرائية إلى أحكام القانون رقم واحد وثلاثين لعام ألفين وأربعة وعشرين، والمرسوم التشريعي رقم ثلاثة عشر لعام ألفين وستة وعشرين الخاص بحقوق المواطنين الكرد وتعليماته التنفيذية. وتمهد هذه الخطوة لإعادة دمج آلاف التلاميذ الذين تلقوا مناهج موازية طوال سنوات الصراع داخل المظلة التعليمية الرسمية للدولة، وتجاوز تعقيدات الاعتراف الأكاديمي التي حرمت شرائح واسعة من مواصلة دراستهم الجامعية. وجاء تحديد مراكز تعليم اللغة الكردية كترجمة عملية للتعديلات الوزارية الأخيرة الصادرة أواخر آب الماضي، والتي شملت ملاكات التدريس وتطوير المقررات بما يكرس الخصوصية الثقافية ضمن المنظومة الوطنية الشاملة. وترى أوساط متابعة أن تطبيق هذه القرارات يسهم في سد الفجوة التعليمية المتراكمة بمناطق الجزيرة وشمال وشرق البلاد، ويضمن انسيابية انتقال العائلات دون تهديد مستقبل أبنائهم الدراسي قبيل انطلاق العام الدراسي الجديد.
حسمت وزارة الدفاع السورية اليوم موقفها الرسمي باستبعاد مقاتلات [[وحدات حماية المرأة|...]] الكردية من الانخراط في صفوف المؤسسة العسكرية، بالتوازي مع انطلاق مباحثات مشتركة ترعاها الحكومة لدمجهن ضمن ملاكات قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية، بهدف تسوية الملف الميداني المعلق في شمال وشرق البلاد.
يأتي هذا التوجه الحكومي لينهي جدلاً واسعاً استمر أشهراً حول مصير التشكيلات النسائية المسلحة التي قاتلت لسنوات تحت راية قوات سوريا الديمقراطية، وخاضت معارك ضارية ضد تنظيم داعش بدعم من التحالف الدولي. وتتمسك دمشق بإعادة هيكلة القوات المسلحة وفق معايير مركزية صارمة ترفض الإبقاء على أي خصوصية فصائلية أو أيديولوجية سابقة داخل الجيش الوطني، بينما تسعى المفاوضات الجارية مع قيادات الإدارة الذاتية إلى تفادي أي تصعيد ميداني عبر فتح مسار مدني وأمني بديل. وتشمل الخطة المقترحة نقل العناصر النسائية إلى قطاعات الشرطة المجتمعية وحراسة المنشآت العامة وإدارة السجون في محافظات الحسكة والرقة وحلب، مع إخضاعهن لدورات تأهيل مسلكية تتبع معايير وزارة الداخلية. ورغم ترحيب أطراف وسيطة بهذا المسار لتفكيك عقدة الميليشيات ودمج حاملي السلاح في مؤسسات الدولة، تواجه المبادرة تحفظات من بعض القيادات الكردية التي تطالب بضمانات وظيفية ورتب رسمية مطابقة لما حملته المقاتلات ميدانياً. وتراقب واشنطن وأنقرة مخرجات هذه التفاهمات بحذر بالغ، نظراً لتشابك ملف المقاتلين الأكراد مع الترتيبات الحدودية واستقرار مناطق شرق الفرات، مما يجعل نجاح هذا الدمج الأمني اختباراً حاسماً لقدرة السلطات على بسط سيادتها واستيعاب القوى المحلية دون صدام مسلح.
في لحظة فارقة من تاريخ الجغرافيا السورية، يمضي الفريق الرئاسي بخطى حثيثة نحو لمّ الشمل وطوي صفحة الركام التي خلفتها سنوات التباعد، حيث أكد المتحدث أحمد الهلالي أن الدولة السورية، بقلب مفتوح وعقل سياسي ناضج، تستوعب كافة أبنائها الكرد بعيداً عن لغة "الكانتونات" الضيقة.
إن هذا الحراك يرتكز أولاً على تكريس الهوية الوطنية الجامعة، من خلال إشراك الكرد في أعلى هرم السلطة وإدارة مناطقهم كشركاء أصلاء في الوطن لا كأقليات معزولة.
وثانياً، يهدف الاتفاق إلى تفكيك الهياكل الانفصالية وتحويلها إلى مؤسسات رسمية تابعة للدولة السورية الموحدة، مما يعني ذوبان "الإدارة الذاتية" في جسد الجمهورية.
أما النقطة الثالثة، فهي استعادة السيادة والمؤسسات عبر إعادة فتح المحاكم والدوائر الرسمية في الحسكة، وهي رسالة طمأنة للنخب التي تخشى القمع العابر للحدود.
إن دعوة دمشق للكرد للعودة إلى كنف "الدولة الأم" -كما كانت قبل عقود حين اعتلى الكرد سدة الرئاسة- ليست مجرد مناورة سياسية، بل هي ضرورة وجودية لإعادة مياه السيادة إلى مجاريها وتجفيف منابع الانقسام، في رهان تاريخي يقوده العميد زياد العايش ومظلوم عبدي لإنهاء قطيعة الأربعة عشر عاماً وبناء مستقبل يتسع لجميع السوريين تحت سقف دمشق.
بين أزقة أربيل الصامتة، غيب الموت القيادي الكردي السوري البارز صالح مسلم، ليرحل بجسده تاركاً وراءه فصلاً طويلاً من الصراع والأمل والتحولات السياسية العميقة في المنطقة.
لم يكن مسلم مجرد اسم في معادلة الشمال السوري، بل كان مهندساً لمشروع "الإدارة الذاتية" الذي أثار جدلاً إقليمياً واسعاً؛ فبرحيله، تفتقد الساحة الكردية شخصية صلبة واجهت أعاصير السياسة الدولية، بدءاً من دوره في تأسيس حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، وصولاً إلى قيادته للحراك الكردي وسط أمواج الثورة السورية المتلاطمة.
إن غيابه اليوم في عاصمة إقليم كردستان العراق يحمل دلالات رمزية وتاريخية، ويضع الحركة الكردية أمام استحقاق صعب لإعادة ترتيب الأوراق في ظل غياب "البوصلة" التي وجهت دفة القرار لسنوات.
في تصعيد يكشف عمق أزمة الثقة، أعلنت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية رفضها القاطع لرفع "الإدارة الذاتية" (قسد) للعلم السوري على معبر سيمالكا الحدودي، واصفة الخطوة بـ "الأحادية" التي تهدف إلى "خلط الأوراق".
وأكد المسؤول في الهيئة، مازن علوش، عدم التنسيق مع الحكومة المركزية بهذا الشأن.
وتأتي هذه المناورة في وقت حرج، حيث كشف المتحدث باسم وفد "الإدارة الذاتية"، ياسر السليمان، عن وجود "ضغوط كبيرة" على جميع الأطراف السورية للتوصل إلى تفاهمات تضمن وحدة الأراضي السورية وسلامة شعبها.
ورغم الخلاف الأخير، أشار السليمان إلى أن "الإدارة الذاتية" مستعدة لدمج المؤسسات، وفقاً لاتفاق 10 آذار الموقع بين الرئيس أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي.
إن رفض دمشق لخطوة رفع العلم، رغم دلالاتها الوطنية، يؤكد أن التوحيد يجب أن يتم عبر تفاهمات هيكلية لا عبر مبادرات فردية مثيرة للجدل.