حرية ومسؤولية
تل أبيب – في تطور دراماتيكي يعيد خلط أوراق المواجهة، كشفت مصادر مطلعة أن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير وجه علناً بضرب أهداف في بيروت رداً على هجمات المسيرات التي يشنها "حزب الله"، في تحدٍ صريح للسياسة الأميركية التي تمتنع بموجبها إسرائيل عن قصف العاصمة اللبنانية منذ أسابيع.
المطالبة التي أطلقها زامير خلال جلسة الكابينت الأمني المصغر مساء الأحد، لم تأتِ من فراغ. فهو وصل إلى الاجتماع بعد زيارة ميدانية للواء 401 في شمال إسرائيل، حيث كان حاضرا في مقر اللواء عندما قُتل الرقيب نحوراي لايزر بهجوم بطائرة مسيرة انتحارية تابعة لحزب الله، ليخرج بعدها بموقف حازم: "نحتاج إلى إسقاط 10 مبانٍ في بيروت مقابل كل 10 مسيرات" وفق ما نقلت صحيفة جيروزاليم بوست عن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الذي أيد الفكرة .
الحقيقة أن إسرائيل تمتنع حالياً، تحت ضغط أميركي شبه كامل، عن تنفيذ غارات في بيروت باستثناء عمليات الاغتيال النوعية. هيئة البث "كان" كانت قد كشفت أن أي موافقة على هجوم في بيروت ترفع مباشرة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وإذا تمت المصادقة على توصية زامير، فسيعتبر ذلك تغييراً جذرياً في قواعد الاشتباك. وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير ذهب بعيداً داعياً إلى العودة إلى حرب شاملة وقطع الكهرباء عن لبنان .
المفارقة أن هذه التطورات تأتي في وقت تترقب فيه المنطقة إعلان اتفاق وشيك بين أميركا وإيران، ومن المتوقع أن يشمل لبنان بوقف شامل لإطلاق النار . السؤال الآن: هل يجرؤ نتنياهو على تحدّي واشنطن وإشعال جبهة بيروت؟ أم أن الجنرال زامير سيُجبر على ابتلاع حاجز الضغط الأميركي؟ الأيام القادمة تحمل الإجابة.
في ظل تأهب قتالي وصفه رئيس الأركان إيال زامير بـ "الفوري" (والذي استنفر الجيش فعلياً منذ أسابيع)، تبرز إيران كهدف لضربة "قصيرة ومؤلمة" تهدف لكسر عناد المفاوض الإيراني وإعادته لطاولة "ترامب" بشروط واشنطن.
التقرير يشير بذكاء إلى أن ازدحام جدول الرئيس الأمريكي، وانشغاله بقمة بكين الحساسة، هما ما يمنعان اندلاع الحرب قبل الثلاثاء القادم، لكن الصمت الذي سيلي اللقاء قد يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة.
إن التعاون "الكامل" بين تل أبيب وواشنطن في هذه العملية المرتقبة، يعني أننا لسنا أمام تحرك إسرائيلي منفرد، بل أمام استراتيجية مشتركة لخنق الطموحات الإيرانية قبل أن ينشغل العالم بمونديال 2026 التاريخي في أمريكا الشمالية.
وبتحليلي لهذا المشهد، يبدو أن القوى الكبرى تحاول إنهاء "الملف الإيراني" أو تدجينه في غضون الثلاثين يوماً القادمة، لضمان ألا تتحول الملاعب العالمية إلى ساحة خلفية لصراع صاروخي، مما يجعل الأسابيع القليلة المقبلة هي الأكثر خطورة وتأثيراً على أمن الطاقة واستقرار المنطقة منذ عقود.
في مشهد يكرس "سلطة الاحتلال" ويقطع الشك باليقين، لم يأتِ نتنياهو إلى المنطقة العازلة وحيداً، بل حشد "ترسانته" السياسية والأمنية كاملة.
وزراء الخارجية والدفاع، قادة الأركان والشاباك، وحتى سفيره لدى واشنطن (يحيئيل ليتر)، وقفوا جميعاً في موقع عسكري متقدم داخل الأراضي السورية.
الرسالة هنا مزدوجة وحادة: لدمشق بأن "الأمر الواقع" باقٍ، ولواشنطن بأن مفاوضات الاتفاق الأمني وصلت لـ "طريق مسدود".
فبينما يطالب الرئيس أحمد الشرع بانسحاب كامل من النقاط التي سقطت بيد الجيش الإسرائيلي مؤخراً، رد نتنياهو من الميدان، وبين جنوده، بأن الانسحاب له ثمن واحد وباهظ:
"سلام شامل"، وليس مجرد ترتيبات أمنية. هذه الجولة الاستعراضية تنسف عملياً الآمال القريبة للحل، وتؤكد أن إسرائيل تستخدم الأرض المحتلة كورقة مساومة قصوى، غير مكترثة بالضغوط، ومستعدة لبقاء طويل الأمد حتى تحقيق شروطها المستحيلة.