حرية ومسؤولية
أطلق أهالي القرى المهجرة في ريف إدلب نداءات استغاثة عاجلة إلى الحكومة السورية بضرورة فتح ملف عودتهم إلى مناطقهم الأصلية التي هجروا منها قسراً خلال سنوات الصراع. تجمعت حشود من العائلات النازحة عند مداخل المناطق المحررة، مؤكدين أن بقاءهم في مخيمات تفتقر لأدنى مقومات الحياة بات يشكل عبئاً لا يطاق، ومشددين على ضرورة وضع خطة وطنية واضحة تكفل أمنهم وكرامتهم فور عودتهم لبيوتهم وأراضيهم.
تحولت هذه المناطق خلال العقد الماضي إلى مسارح لعمليات عسكرية متلاحقة، مما دفع السكان للنزوح المتكرر بحثاً عن ملاذات آمنة، تاركين خلفهم مدخراتهم ومصادر رزقهم في حقول الزيتون والمواسم الزراعية التي اشتهر بها الريف الإدلبي. يتطلب ملف العودة اليوم أكثر من مجرد تصاريح عبور، فهو يستلزم معالجة ملفات الألغام، وإعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء التي دمرتها الغارات، فضلاً عن توفير ضمانات أمنية تمنع تجدد الاحتكاك العسكري. تعي الحكومة أن إغلاق ملف النزوح في إدلب يشكل حجر الزاوية في مسيرة الاستقرار الوطني، خاصة مع تزايد ضغوط المنظمات الدولية التي تلوح بتقليص التمويل للمخيمات. إن العودة إلى الأرض ليست مجرد رغبة إنسانية عابرة، بل هي ضرورة حيوية لإعادة تشغيل الدورة الاقتصادية في منطقة تعتبر الخزان الزراعي الأهم، حيث تضع هذه المطالب السلطات أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة ملفات التغيير الديموغرافي القسري وتحويل استراتيجيات التنمية من الورق إلى واقع يعيد العائلات إلى دفء بيوتها بعد طول انتظار وشتات.
في مشهد إنساني يختزل معاناة السوريين، بدأت 314 عائلة نازحة رحلة العودة من مخيمات الشمال السوري إلى قراها وبلداتها في ريف إدلب الجنوبي، ضمن أكبر قافلة تنقلها السلطات المحلية منذ أسابيع، في خطوة تهدف إلى تفكيك مخيمات شمال غربي سوريا، حيث لا تزال آلاف العائلات تنتظر دورها في قوائم الانتظار الطويلة.
وتجسد شهادات النازحين العائدين حجم المعاناة المزدوجة، إذ قال أحدهم لمراسل "سوريا الآن": "لقد بعنا كل شيء في هذه المخيمات، الآن نعود إلى بلداتنا بكرامة"، لكن العودة تصطدم بدمار شبه كامل للمنازل في مناطق مثل كفرنبل، وغياب خدمات المياه والكهرباء والنظافة، مما يجعل البقاء في المخيمات الخيار الوحيد للبعض، بينما فضّل آخرون التريث لحين إعادة تأهيل مساكنهم. وتؤكد مديرة الشؤون الاجتماعية في إدلب، أحلام الرشيد، أن القوافل مستمرة، مع تسجيل 1300 عائلة على قوائم الانتظار، في وقت لا تزال فيه أكثر من 90 ألف عائلة تقيم في 637 مخيماً، في انتظار بيئة ملائمة للاستقرار، وفقاً لتقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الذي أشار إلى استمرار أزمة النزوح رغم عودة نحو 1.8 مليون نازح خلال العام الماضي.