حرية ومسؤولية
في تصعيد ميداني يعيد خلط الأوراق الأمنية فوق الأراضي العراقية، لم تكن سماء أربيل هادئة يوم الخميس 12 آذار؛ إذ استيقظ الإقليم على دوي انفجارات طالت الوجود العسكري الأوروبي هناك.
الضربة الأقسى تلقاها الجيش الفرنسي الذي أعلن بمرارة عن إصابة 6 من جنوده بجروح، إثر هجوم غادر بطائرة مسيرة انقضت عليهم خلال تدريبات لمكافحة الإرهاب مع الشركاء العراقيين.
هذا الاستهداف المباشر لباريس، ترافق مع محاولة أخرى لترهيب الجانب الإيطالي بضربة صاروخية استهدفت قاعدتهم، ولحسن الحظ خرج منها الجنود الإيطاليون دون خسائر بشرية.
إن ما يحدث اليوم في كردستان ليس مجرد حوادث عابرة، بل هو رسائل سياسية ملغومة بالبارود، تضع مهام "التحالف الدولي" أمام اختبار حقيقي في ظل تنامي قدرات المسيرات الانتحارية.
مراقبون يرون في هذا التزامن بين استهداف الفرنسيين والإيطاليين محاولة واضحة لزعزعة استقرار الإقليم ودفع القوات الأجنبية نحو الانسحاب، مما يفرض ضغطاً هائلاً على كبار القادة العسكريين في روما وباريس لمراجعة حسابات التموضع وسط منطقة لا تزال تغلي فوق صفيح ساخن من الصراعات الإقليمية.
بين أزقة أربيل الصامتة، غيب الموت القيادي الكردي السوري البارز صالح مسلم، ليرحل بجسده تاركاً وراءه فصلاً طويلاً من الصراع والأمل والتحولات السياسية العميقة في المنطقة.
لم يكن مسلم مجرد اسم في معادلة الشمال السوري، بل كان مهندساً لمشروع "الإدارة الذاتية" الذي أثار جدلاً إقليمياً واسعاً؛ فبرحيله، تفتقد الساحة الكردية شخصية صلبة واجهت أعاصير السياسة الدولية، بدءاً من دوره في تأسيس حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، وصولاً إلى قيادته للحراك الكردي وسط أمواج الثورة السورية المتلاطمة.
إن غيابه اليوم في عاصمة إقليم كردستان العراق يحمل دلالات رمزية وتاريخية، ويضع الحركة الكردية أمام استحقاق صعب لإعادة ترتيب الأوراق في ظل غياب "البوصلة" التي وجهت دفة القرار لسنوات.