"الديموس" أم "الجينوس"؟: ياسين الحاج صالح يُشخّص معضلة سوريا الكبرى ويحذّر من "المجزرة والتقسيم"
نُشر المقال التحليلي في موقع "الجمهورية نت"، ويُحذّر فيه الحاج صالح من اختزال مفهوم "الديمقراطية" (Democracy)، أي حكم الشعب، إلى مجرد "جينوقراطية" (Genocracy)، أي حكم "الجينوس" (العرق أو الطائفة)، حتى لو كانت هذه الطائفة تمثّل الأكثرية.
صراع الهوية يهدد الدولة
يطرح الحاج صالح إشكالية جوهرية تواجه السوريين اليوم: هل الهدف هو بناء "ديموس" (Demos)، أي "شعب" سوري موحّد سياسياً يتشارك المواطنة، أم تكريس حكم "الجينوس" (Genos)، أي الجماعة الأهلية (الدينية أو الإثنية) الأكبر؟
ويوضح الكاتب أن التركيز على الديمقراطية الإجرائية (صناديق الاقتراع) فقط، خاصة من منظور بعض التيارات الإسلامية، قد يُفضي إلى "إسلامُقراطية" أو حكم "الجنس السُنّي الأكبر"، وهو ما لا يختلف في جوهره، بحسب المقال، عن أي حكم استبدادي آخر قائم على الغلبة الطائفية، مثل "الجينوقراطية العلوية" التي مثّلها نظام الأسد، أو "التفوقية البيضاء" في أمريكا و"الصهيونية" في إسرائيل.
يُحلل المقال هذه النقطة باعتبارها لبّ الأزمة السورية؛ فالحكم القائم على هوية أهلية موروثة، سواء كانت أقلية أو أكثرية، هو بطبيعته حكم استبدادي يُلغي الآخر ويفتح الباب على مصراعيه لأسوأ سيناريوهين: "الجينوسايد" (الإبادة الجماعية) و"التقسيم".
ويشير التحليل إلى أن المجازر التي شهدتها سوريا، ودعوات الانفصال المتصاعدة مؤخراً، ليستا سوى "الوجهين المتلازمين للحكم الجينوقراطي".
ما بين الديكتاتورية والجينوقراطية
في واحدة من أكثر نقاط المقال إثارة للجدل، يطرح الحاج صالح مفارقة جريئة، مُشيراً إلى أن بناء "الديموس" (الشعب) السوري يتطلب سياسات "صنع شعب" حقيقية، مثل توحيد القوانين واحتكار الدولة للعنف وإنهاء التمييز.
ويرى أن هذه السياسات قد تحتاج، بشكل مفارق، إلى ما يُشبه "ديكتاتورية وطنية" مؤقتة وتدخلية لفرض القانون وعقلنة الإدارة وقمع النزعات التجزيئية.
ويخلص إلى أن المسافة بين "الديكتاتورية الوطنية" (التي تبني دولة) و"الديمقراطية" (التي تحكم بها الدولة) هي أقصر من المسافة بينهما وبين "الجينوقراطية" (حكم الطائفة) التي تُدمّر الدولة والمجتمع معاً.
يُعتبر هذا التحليل إنذاراً مبكراً للقوى السياسية الفاعلة على الأرض اليوم، بأن الانجرار وراء "الرغبة المُحاكية" (أي رغبة كل جماعة في استنساخ نموذج غلبتها الخاص) لن يؤدي إلا إلى استمرار العنف المهول وتدمير السياسة ذاتها. ويختم بأن الأفق الديمقراطي الوحيد الممكن يكمن في الاعتراض على كافة المشاريع "الجينوقراطية" المتنازعة، سواء كانت سافرة أم مُقنّعة.
