حرية ومسؤولية
في تطور ميداني استثنائي كسر حاجز الصمت الأمني المعتاد في العاصمة السورية، تجمهر العشرات من المواطنين ليلة أمس أمام فيلا رجل الأعمال البارز محمد حمشو، مطالبين بمحاسبته الفورية وتقديمه للعدالة. انفجر هذا الغليان الشعبي بشكل عفوي ومفاجئ عقب نشر الصحفية الاستقصائية لمى العقيلي سلسلة تحقيقات مصورة وموثقة عبر تسع حلقات، كشفت خلالها تفاصيل صادمة حول تورط شبكات تابعة لحمشو في قضايا فساد كبرى، تشمل سرقة البنى التحتية وتجارة المعادن، وصولاً إلى إدارة مصانع أسلحة غير مرخصة أسهمت في تأجيج الصراع الداخلي. ورفع المحتجون الغاضبون شعارات صريحة تندد بنهب مقدرات البلاد، وسط استنفار أمني كثيف وملحوظ في محيط المنطقة الراقية التي تقطنها شخصيات سياسية واقتصادية نافذة في الدولة.
يعكس هذا التحرك الليلي الجريء في شوارع دمشق تصاعد حالة الاحتقان الشعبي غير المسبوق تجاه طبقة رجال الأعمال التي احتكرت مفاصل الاقتصاد السوري خلال سنوات الحرب الطويلة. ويخضع حمشو لعقوبات أمريكية وأوروبية مشددة منذ سنوات بسبب علاقاته المالية واللوجستية الوثيقة مع دوائر صنع القرار، حيث استحوذ على قطاعات استراتيجية حيوية تشمل المقاولات الكبرى، شبكات الاتصالات، وتجارة المعادن الخردة المستخرجة من أنقاض المدن المدمرة. وتزامنت هذه الاحتجاجات الميدانية مع حملات مدنية واسعة لمقاطعة منتجاته عبر توزيع ملصقات ومنشورات في الساحات العامة، ما يضع الحكومة السورية أمام اختبار حقيقي وصعب لامتصاص الغضب العام. واكتفت السلطات القضائية حتى اللحظة بتوجيه استدعاءات شكلية لبعض المتورطين عبر محكمة الجرائم الإلكترونية، في خطوة يراها الشارع السوري مجرد محاولة لامتصاص الصدمة والتغطية على الملف دون المساس الفعلي بمراكز القوى الاقتصادية المحمية، وذلك في وقت تعصف فيه أزمة معيشية طاحنة بالبلاد، تدفع غالبية السكان يومياً إلى ما دون خط الفقر المدقع وتزيد من احتمالات توسع رقعة التظاهرات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات