حرية ومسؤولية
صلاح الدين الأيوبي (الملك الناصر أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شادي بن مروان) هو مؤسس الدولة الأيوبية والسلطان الأول لمصر والشام والحجاز واليمن. يُعدّ إحدى أبرز الشخصيات القيادية والعسكرية في التاريخ الإسلامي والعالمي، حيث اقترن اسمه بمعركة حطين الفاصلة وتحرير بيت المقدس من أيدي الصليبيين عام 1187م، بعد نحو تسعين عاماً من الاحتلال الصليبي، فضلاً عن جهوده الاستثنائية في توحيد الجبهة الإسلامية والتصدي للعمليات العسكرية الشرسة خلال الحملة الصليبية الثالثة.
النشأة والأصول والتحصيل العلمي
وُلد صلاح الدين عام 532 هـ (1138م) في قلعة تكريت بـ العراق، لأسرة كوردية كريمة تعود أصولها إلى بلدة "دوين" في أرمينيا التاريخية. كان والده نجم الدين أيوب والياً على تكريت قبل أن ينتقل مع عائلته إلى الموصل ثم إلى دمشق لينضم إلى خدمة الملك العادل عماد الدين زنكي وابنه الشديد الشهيرة نور الدين زنكي.
نشأ صلاح الدين في بلاط دمشق وتلقى تعليماً جامعاً بين العلوم الدينية والعسكرية؛ فدرس القرآن الكريم والتفسير والحديث والفقه واللغة العربية والأنساب والفتوة، وتدرب على فنون الفروسية وإدارة المعارك والرماية والتكتيكات الحربية تحت إشراف عمه القائد العسكري البارز أسد الدين شيركوه، مما أكسبه شخصية تجمع بين الحكمة والتدين والصرامة الإدارية.
المسيرة العسكرية وتولي الوزارة في مصر
بدأت المحطة المفصلية في حياة صلاح الدين السياسية والعسكرية مع مشاركته في الحملات الثلاث التي أرسلها السلطان نور الدين زنكي إلى مصر بقيادة أسد الدين شيركوه بين عامي 1164م و1169م، بهدف حمايتها من أطماع مملكة بيت المقدس الصليبية وتثبيت نفوذ الدولة الزنكية فيها.
عقب وفاة عمه أسد الدين شيركوه عام 1169م، تُوج صلاح الدين وزيراً للخليفة الفاطمي العاضد لدين الله وقائداً للقوات الشامية في مصر وهو في الحادية والثلاثين من عمره. نجح صلاح الدين بمهارة فائقة في ضبط الأوضاع الداخلية، وإلغاء الخلافة الفاطمية رسمياً عام 1171م وإعادة مصر إلى كنف الخلافة العباسية، ثم شرع في بناء جيش قوي وتحصين القلاع (وعلى رأسها قلعة صلاح الدين بالقاهرة) وإصلاح النظام المالي والاقتصادي.
تأسيس الدولة الأيوبية وتوحيد الشام ومصر
بعد وفاة نور الدين زنكي عام 1174م، أدرك صلاح الدين أن مواجهة الوجود الصليبي الاستيطاني تتطلب توحيد القوى الإسلامية المتشرذمة تحت قيادة واحدة. فانطلق إلى الشام ودخل دمشق مرحباً به، ثم ضم حمص وحماة وحلب والجزيرة الفراتية، وامتد نفوذه إلى الحجاز واليمن والشمال الإفريقي.
أعلن صلاح الدين تأسيس الدولة الأيوبية معترفاً بشرعية الخلافة العباسية، وعمل خلال أكثر من عشر سنوات على تنظيم جبهة متماسكة تمتد من الموصل شمالاً إلى اليمن جنوباً، مما أتاح له طوقاً استراتيجياً يحاصر القواعد الصليبية في بلاد الشام.
معركة حطين وتحرير بيت المقدس (1187م)
شكلت الانتهاكات المستمرة للهدنة من قبل أرناط (أرناط شاتيون) حارس حصن الكرك وهجومه على قوافل الحجاج والتجار المسلمين، الشرارة التي فجرت المواجهة الكبرى. فجمع صلاح الدين قواته لخوض الجولة الحاسمة:
الحملة الصليبية الثالثة وصُلح الرملة
أثار سقوط القدس حالة من الصدمة في أوروبا، فقاد ملوك الغرب الحملة الصليبية الثالثة بقيادة ريتشارد قلب الأسد (ملك إنجلترا) وفليب أوجست (ملك فرنسا) وشاه بربروسا (إمبراطور ألمانيا). شهدت هذه المرحلة حصار عكا الشرس ومعارك جرفية متواصلة كمعركة أرسوف.
رغم النجاح الجزئي للصليبيين في استعادة عكا والشريط الساحلي الممتد إلى يافا، إلا أنهم فشلوا تماماً في اقتحام القدس بفضل الصلابة الدفاعية والتكتيكات العسكرية لصلاح الدين. انتهت المواجهات بتوقيع "صلح الرملة" عام 1192م، والذي أقرّ ببقاء القدس بأيدي المسلمين مع السماح للمسيحيين العزل بالحج والزيارة للأماكن المقدسة.
وفاته وأثره الخالد
تُوفي صلاح الدين الأيوبي في دمشق يوم الأربعاء 27 صفر 589 هـ (27 آذار/مارس 1193م) بعد إصابته بالحمى، ودُفن في المدرسة العزيزية بجوار الجامع الأموي بـ دمشق. لم يترك صلاح الدين عند وفاته أموالاً أو عقارات؛ إذ أنفق جلّ ثروته في الخزانة العامة وفي بناء المدارس والمستشفيات وتجهيز الجيوش.
ترك صلاح الدين أثراً عميقاً في الذاكرة الإنسانية، حيث حظي باحترام مؤرخي الشرق والغرب على حد سواء، ونُظر إليه كرمز للعدالة والنبل والشجاعة والشهامة الحربية، ولا يزال نضاله ومسيرته إلهاماً للأجيال عبر العصور.
— سيرة ذاتية من إعداد "الموسوعة لـ Syria24.News" —