حرية ومسؤولية
في قلب العاصفة التي تضرب الشرق الأوسط، برز تصريح المبعوث الأمريكي توم باراك كتحول جيوستراتيجي يضع دمشق في موقع "رئة العالم" البديلة لمضيق هرمز المشتعل.
يسعى المقترح الأمريكي لاستبدال الممرات المائية المهددة بشبكة أنابيب عبر الأراضي السورية، لتأمين تدفق ثلث الغاز المسال العالمي وربع استهلاك النفط الذي بات رهينة لتهديدات متبادلة بين ترامب وطهران بمحو محطات الطاقة وإغلاق المضيق.
وبينما يحاول باراك نفي ضغوط واشنطن على دمشق للتدخل العسكري في لبنان لنزع سلاح حزب الله، تكشف التقارير الاستخباراتية عن "مقايضة" كبرى تضع السوريين أمام خيارين؛ إما الانزلاق في أتون حرب إقليمية أو التحول إلى ممر اقتصادي ذهبي.
إن الحذر السوري الشديد يعكس رغبة في جني مكاسب "الجغرافيا السياسية" دون دفع ضريبة الدم، مفضلةً دور "جسر الطاقة" على دور "الشرطي العسكري".
هذا المشهد يضع سوريا اليوم في عين الإعصار، حيث تتحول أنابيبها المفترضة إلى رهان دولي لكسر عنق الزجاجة الإيراني، في وقت يتساءل فيه المراقبون: هل تنجح دمشق في ترويض جنون الحرب عبر بوابة الاقتصاد، لتصبح المخرج الوحيد لأزمة طاقة عالمية تهدد بانهيار الأسواق؟
وسط حالة من القلق والترقب التي ترافقت مع التطورات الإقليمية والتصعيد العسكري الأخير في المنطقة، شهدت محطات الوقود في سوريا طوابير وازدحاماً غير مسبوق، مما أثار مخاوف واسعة بين المواطنين من اندلاع أزمة محروقات وشيكة.
إلا أن وزارة الطاقة السورية سارعت إلى طمأنة الشارع، نافية بشكل قاطع وجود أي نقص في المشتقات النفطية الأساسية، سواء تعلق الأمر بالبنزين، أو المازوت، أو الغاز المنزلي.
وأوضحت الوزارة بشفافية أن المشاهد المربكة في محطات الوقود لا تعكس عجزاً في الإمدادات، بل هي نتيجة مباشرة لارتفاع مفاجئ وهائل في حجم الطلب، والذي قفز بنسبة تجاوزت 300% مقارنة بالمعدلات اليومية الطبيعية.
وأرجعت هذا التهافت الاستثنائي إلى حالة التخوف من تداعيات الأحداث الإقليمية وسرعة انتشار الشائعات.
وفي رسالة طمأنة إضافية، أكدت الوزارة أن المصافي الوطنية تواصل عملها بوتيرتها المعتادة، وأن عقود استيراد النفط الخام تسير عبر قنواتها الرسمية دون أي عوائق، مما يبقي المخزون التشغيلي للبلاد ضمن حدوده الآمنة والمستقرة.
وختاماً، دعت وزارة الطاقة المواطنين إلى التحلي بالمسؤولية والوعي، وعدم الانجرار وراء شائعات تخلق أزمات وهمية وتضغط بلا مبرر على منظومة التوزيع، مشددة على ضرورة استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية لضمان استمرار الخدمات للجميع.
فبدءاً من الغد، يُسعّر ليتر المازوت (شريان التدفئة) بـ 0.75 دولار، وأسطوانة الغاز المنزلي بـ 10.5 دولارات، فيما استقر البنزين (90) عند 0.85 دولار. هذه التسعيرة، التي تأتي كجزء من "إصلاح شامل"، تحمل رسالة مزدوجة.
فبينما يراها الوزير محمد البشير خطوة "لتخفيف الأعباء" وتحقيق التوازن، هي أيضاً تثبيت مؤلم للتكلفة بالعملة الصعبة. إنها محاولة جريئة لإنهاء فوضى الأسعار، لكنها تضع المواطن أمام مسؤولية "الترشيد" التي وصفها الوزير بـ "الوطنية". إنه الخيار الصعب بين ضمان توفر المادة بسعر مستقر، وبين القدرة على تحمل هذه التكلفة في أبرد شهور السنة.