حرية ومسؤولية
استبشر مزارعو محافظة الحسكة السورية خيراً هذا الموسم، حيث أسهمت الهطولات المطرية المتتابعة والأجواء الدافئة في تحسين نمو وإنبات محصولي القمح والشعير بشكل ملحوظ.
وتتجه الأنظار نحو موسم زراعي وفير وواعد، خاصة في حال استمرت وتيرة الأمطار الجيدة خلال شهري آذار ونيسان المقبلين.
وقد سجلت المساحات المزروعة بهذين المحصولين الاستراتيجيين أرقاماً مبشرة تجاوزت 750 ألف هكتار في مختلف مناطق الاستقرار الزراعي بالمحافظة.
وتوزعت هذه المساحات لتشمل زراعة 100 ألف و200 هكتار من القمح المروي، و363 ألفاً و300 هكتار من القمح البعل، بينما خُصص 21 ألف هكتار للشعير المروي و268 ألف هكتار للشعير البعل.
ولضمان سلامة هذا المورد الاقتصادي الهام، تواصل مديرية الزراعة والدوائر التابعة لها جولاتها الميدانية المستمرة لمتابعة الحقول ومراحل نموها، والكشف المبكر عن أي إصابات حشرية محتملة.
تأتي هذه الأنباء الإيجابية في وقت يشهد فيه القطاع محاولات للنهوض من خلال استراتيجية زراعية جديدة تمتد حتى عام 2030، والتي تركز على "الدعم الذكي" للبنى التحتية والتحول نحو شبكات الري الحديث.
ويمثل هذا الموسم بارقة أمل حقيقية لتعويض تراجعات الموسم الماضي القاسية، حيث لم يُحصد سوى 3% من مساحات الزراعة البعلية، واقتصر إنتاج القمح على نحو 900 ألف طن، مقارنة بأرقام كانت تصل سابقاً إلى 4.8 ملايين طن.
تتجلى في ريف جسر الشغور لوحة ربانية تمزج بين عراقة الأرض وإصرار الإنسان، حيث ترسم البساتين الخضراء مستقبلاً واعداً يتحدى الصعاب.
هذا الحدث ليس مجرد مشهد بصري، بل هو نبض الحياة في قلب إدلب، حيث تبرز خصوبة التربة كعنصر جوهري جعل من المنطقة سلة غذاء متكاملة، تفيض بشتى أنواع المحاصيل التي تعكس جودة الإنتاج المحلي.
وتأتي وفرة الموارد المائية، خاصة القريبة من حوض العاصي، لتمنح هذه الأراضي شريان حياة دائم، محولةً المساحات الشاسعة إلى واحات غناء تسر الناظرين وتدعم الاستقرار المعيشي.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري للمزارع السوري، الذي يضع عرق جبينه في كل حبة تراب، محولاً الخبرة المتوارثة إلى تقنيات صمود تجعل من الزراعة هناك رمزاً للهوية والتمسك بالأرض.
إن هذه الجنة الخضراء ليست مجرد حقول، بل هي عماد الأمن الغذائي وروح المنطقة التي تأبى إلا أن تزهر، مما يستوجب تسليط الضوء على ضرورة دعم هذا القطاع وتطويره لمواجهة التحديات المناخية والاقتصادية، لتبقى جسر الشغور دائماً أيقونة للعطاء والجمال.