حرية ومسؤولية
في مشهد مؤلم يعكس عمق المعاناة الزراعية، يضطر مزارعو الخضراوات والفواكه الصيفية في ريف حماة إلى إتلاف محاصيلهم وتحويلها إلى علف للحيوانات، بعد أن انهارت الأسعار إلى مستويات لا تغطي حتى تكاليف الإنتاج، مما حول ثمرة تعبهم إلى عبء مالي لا يطاق.
المزارع إبراهيم، من منطقة خطاب، أوضح أن سعر كيلو الخيار بلغ 700 ليرة، والباذنجان 500 ليرة، وهي أسعار لا تسدد تكاليف الري وأجور العمال والقطاف والنقل، ناهيك عن مصاريف التعبئة. وأضاف أن نقل المحاصيل إلى أسواق الهال لم يعد يجدي نفعاً، بل أصبح يشكل خسارة محققة، في وقت يسيطر فيه تجار الجملة على حركة التسويق ويحققون أرباحاً طائلة على حساب المزارعين الذين يتحملون كامل أعباء الإنتاج . ويطالب المزارعون وزارة الزراعة والجهات المعنية بالتدخل العاجل، عبر تشديد الرقابة على أسواق الهال ومنع احتكار الوسطاء، إلى جانب فتح باب التصدير للأسواق الخارجية لتصريف الفائض وإنقاذ مواسمهم، في أزمة تهدد بإفقاد القطاع الزراعي أحد ركائزه الأساسية في محافظة كانت تعتبر سلة غذاء سوريا .
أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، أمس الثلاثاء، عن تسلّم ما يزيد على مليونين و76 ألف طن من القمح المحلي من الفلاحين في مختلف المحافظات حتى 12 تموز الجاري، في مؤشر إيجابي يعكس تحسناً ملحوظاً في الإنتاج الزراعي يعزز المخزون الإستراتيجي ويدعم الأمن الغذائي بعد سنوات من التراجع.
وتصدرت محافظة الحسكة قائمة المحافظات الأكثر توريداً بكمية تجاوزت 907 آلاف طن، بنسبة 43.7% من الإجمالي، تلتها الرقة بـ341 ألف طن، ثم حلب بـ262 ألف طن، فيما توزعت النسب المتبقية على حماة ودير الزور ودرعا وإدلب وحمص ودمشق وطرطوس واللاذقية. وأشارت الوزارة إلى أن القمح الطري شكّل 54.4% من الكميات المستلمة، مقابل 45.6% للقمح القاسي، في وقت توقعت فيه وزارة الزراعة أن يتجاوز الإنتاج 2.3 مليون طن هذا العام، مقارنة بـ900 ألف طن في العام الماضي، بدعم من تحسن الأمطار وعودة المناطق الشمالية والشرقية إلى دائرة الإنتاج الفعلي، مما يعيد الأمل إلى القطاع الزراعي الذي كان ركيزة أساسية للاقتصاد السوري قبل الأزمة.
استبشر مزارعو محافظة الحسكة السورية خيراً هذا الموسم، حيث أسهمت الهطولات المطرية المتتابعة والأجواء الدافئة في تحسين نمو وإنبات محصولي القمح والشعير بشكل ملحوظ.
وتتجه الأنظار نحو موسم زراعي وفير وواعد، خاصة في حال استمرت وتيرة الأمطار الجيدة خلال شهري آذار ونيسان المقبلين.
وقد سجلت المساحات المزروعة بهذين المحصولين الاستراتيجيين أرقاماً مبشرة تجاوزت 750 ألف هكتار في مختلف مناطق الاستقرار الزراعي بالمحافظة.
وتوزعت هذه المساحات لتشمل زراعة 100 ألف و200 هكتار من القمح المروي، و363 ألفاً و300 هكتار من القمح البعل، بينما خُصص 21 ألف هكتار للشعير المروي و268 ألف هكتار للشعير البعل.
ولضمان سلامة هذا المورد الاقتصادي الهام، تواصل مديرية الزراعة والدوائر التابعة لها جولاتها الميدانية المستمرة لمتابعة الحقول ومراحل نموها، والكشف المبكر عن أي إصابات حشرية محتملة.
تأتي هذه الأنباء الإيجابية في وقت يشهد فيه القطاع محاولات للنهوض من خلال استراتيجية زراعية جديدة تمتد حتى عام 2030، والتي تركز على "الدعم الذكي" للبنى التحتية والتحول نحو شبكات الري الحديث.
ويمثل هذا الموسم بارقة أمل حقيقية لتعويض تراجعات الموسم الماضي القاسية، حيث لم يُحصد سوى 3% من مساحات الزراعة البعلية، واقتصر إنتاج القمح على نحو 900 ألف طن، مقارنة بأرقام كانت تصل سابقاً إلى 4.8 ملايين طن.
تتجلى في ريف جسر الشغور لوحة ربانية تمزج بين عراقة الأرض وإصرار الإنسان، حيث ترسم البساتين الخضراء مستقبلاً واعداً يتحدى الصعاب.
هذا الحدث ليس مجرد مشهد بصري، بل هو نبض الحياة في قلب إدلب، حيث تبرز خصوبة التربة كعنصر جوهري جعل من المنطقة سلة غذاء متكاملة، تفيض بشتى أنواع المحاصيل التي تعكس جودة الإنتاج المحلي.
وتأتي وفرة الموارد المائية، خاصة القريبة من حوض العاصي، لتمنح هذه الأراضي شريان حياة دائم، محولةً المساحات الشاسعة إلى واحات غناء تسر الناظرين وتدعم الاستقرار المعيشي.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري للمزارع السوري، الذي يضع عرق جبينه في كل حبة تراب، محولاً الخبرة المتوارثة إلى تقنيات صمود تجعل من الزراعة هناك رمزاً للهوية والتمسك بالأرض.
إن هذه الجنة الخضراء ليست مجرد حقول، بل هي عماد الأمن الغذائي وروح المنطقة التي تأبى إلا أن تزهر، مما يستوجب تسليط الضوء على ضرورة دعم هذا القطاع وتطويره لمواجهة التحديات المناخية والاقتصادية، لتبقى جسر الشغور دائماً أيقونة للعطاء والجمال.