حرية ومسؤولية
في خطوة تحمل في طياتها ملامح فجر جديد لسوريا، عقد الرئيس أحمد الشرع اجتماعاً محورياً يمثل حجر الأساس في مشروع "لم الشمل" الوطني، متركزاً حول إنهاء معاناة المهجرين وإعادة نبض الحياة للمدن التي غيبتها الحرب.
لم يكن الاجتماع مجرد مشاورات وزارية، بل هو "إعلان إرادة" لإغلاق ملف المخيمات عبر تأهيل البنية التحتية في إدلب وحماة وحلب، وتحويل الركام إلى بيوت آمنة تستقطب أبناءها.
ومن خلال إشراك وزراء الطوارئ والإسكان والمالية، تبرهن القيادة السورية على نهج عملي يربط بين الموازنات المالية والواقع الميداني، لضمان أن تكون العودة مدعومة بالخدمات الأساسية والكرامة الإنسانية.
هذا التحرك، الذي يأتي في توقيت حساس من تاريخ البلاد عام 2026، يرسل رسالة طمأنة للداخل والخارج بأن الأولوية القصوى هي استعادة الأمان الاجتماعي وترميم النسيج العمراني الذي تضرر.
إن التركيز على البنية التحتية كـ "قوة جذب" للعودة الطوعية يعكس فهماً عميقاً لاحتياجات الناس؛ فالسوريون لا يبحثون عن مأوى فحسب، بل عن وطن يعيد لهم الاستقرار والعمل.
إنها معركة بناء لا تقل أهمية عن معارك الصمود، حيث يسعى الرئيس الشرع من خلال هذا التنسيق الميداني المكثف مع المحافظين إلى تجاوز البيروقراطية وتسريع وتيرة التعافي، ليكون عام 2026 عاماً لطي صفحة الخيام وفتح فصل جديد من الإعمار والازدهار.
كشفت تركيا، المستضيف الأكبر، عن مغادرة 550 ألف لاجئ سوري أراضيها، وهو رقم هائل يعكس حجم الأمل بالعودة، ولكنه يمثل نصف إجمالي العائدين الذي أحصته مفوضية اللاجئين (1.16 مليون) من جميع دول اللجوء.
هذه الأرقام، المفعمة بالشوق إلى الوطن، توازيها حركة عودة داخلية لـ 1.9 مليون نازح إلى مدنهم المدمرة. لكن هذا الأمل يصطدم بواقع لا يمكن تجاهله: لا تزال تركيا وحدها تأوي 2.4 مليون سوري.
والوطأة الأكبر تكمن في أن 7 ملايين إنسان ما زالوا نازحين داخل وطنهم، و4.5 ملايين آخرين لاجئين في الخارج. إنها ليست نهاية أزمة الشتات السوري، بل هي الخطوة الأولى المؤلمة في أطول رحلة لعودة شعب إلى أرضه، رحلة ما زال ينتظرها أكثر من 11 مليون إنسان.
أكدت وزارة الداخلية الاتحادية، بعد دراسة متأنية، رفضها القاطع للسماح بزيارات مؤقتة، مغلقةً بذلك نافذة الأمل التي فُتحت لفترة وجيزة بعد سقوط نظام الأسد.
ففيما كانت الحكومة السابقة تدرس بجدية فكرة "رحلات استطلاعية" تمهيداً لعودة طوعية محتملة، جاء القرار الحالي ليؤكد ببرود أن العودة، حتى اللحظية، تُعتبر دليلاً قاطعاً على زوال خطر الحماية.
هذا الموقف يضع آلاف العائلات أمام خيار إنساني مستحيل، حيث لا يُسمح بالاستثناء إلا في أضيق الظروف، كوداع قريب على فراش الموت.
وبينما يستأنف مكتب الهجرة (Bamf) معالجة الطلبات المتوقفة، يبقى الواقع المرير الذي اعترف به وزير الخارجية ماثلاً: سوريا مدمرة، والعودة الطوعية حلم بعيد. لقد أصبح القرار الألماني بمثابة رسالة واضحة: إما الغربة الكاملة، أو العودة إلى الأبد.
هذا القرار، الذي انطلق في حزيران، ليس مجرد حبر على ورق؛ بل هو واقع قاسٍ يتمثل في رفض 85% من طلبات اللجوء الجديدة، وهي النسبة ذاتها التي كانت تُمثل القبول سابقاً.
الآن، يجد 17,000 سوري، كثير منهم عالقون في المراكز منذ سنوات، أنفسهم أمام مستقبل مجهول ورسالة رسمية باردة: "ارحلوا". الحكومة الهولندية، بقيادة الوزير فان ويل، لا تكتفي بالرفض، بل تستخدم "العصا والجزرة": إغراء مالي يصل إلى 5000 يورو للعودة "الطوعية"، وتهديد صريح بالترحيل القسري بدءاً بـ "المسيئين".
وبينما تصر الحكومة أن "مصدر العنف" زال، تصرخ الأمم المتحدة والمجلس الهولندي للاجئين بأن سوريا لا تزال هشة وغير مستقرة. لقد تحولت هولندا من ملاذٍ آمن إلى خصم، تاركة مصير هؤلاء معلقاً بقرارات المحاكم.
أعلن وزير الداخلية الألماني الجديد ألكسندر دوبريندت عن تحول صارم في سياسة اللجوء، مؤكداً عزمه على استئناف ترحيل المجرمين إلى سوريا وأفغانستان، بل واستعداده للتفاوض مع سلطات دمشق بهذا الشأن.
وأوضح الوزير أن الترحيل سيستهدف أيضاً غير المندمجين، فـ الاندماج والعمل هما المعيار للبقاء. كما أطلق دوبريندت مبادرة أوروبية لإنشاء مراكز ترحيل خارج أوروبا لاستقبال المرفوضين، وخفف قيود العمل لطالبي اللجوء بعد ثلاثة أشهر، لفصل الساعين للعمل عن الباحثين عن المساعدات الاجتماعية.