حرية ومسؤولية
شهدت الأوساط السياسية التركية موجة غضب عارمة تجاه السفير الأمريكي لدى أنقرة، توماس باراك، إثر تصريحاته الأخيرة في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، والتي اعتبرتها المعارضة "تجاوزاً فجاً" للأعراف الدولية.
وتصدر رئيس حزب السعادة، محمود أريكان، المشهد بمطالبة الحكومة التركية بإعلان باراك "شخصاً غير مرغوب فيه"، مؤكداً أن السياسة الخارجية لتركيا ليست ساحة للمساومات أو التدخلات الأجنبية، ومنتقداً بشدة فلسفة السفير التي تدعي أن المنطقة لا تحترم إلا القوة، واصفاً إياها بأنها فهم قاصر للتاريخ وتجاهل لقيم العدالة والحق التي طالما دافعت عنها تركيا.
ولم يتوقف الهجوم عند حدود النقد الكلامي، بل وجهت المعارضة تساؤلات حادة لصناع القرار في أنقرة حول جدوى التمسك بشعارات "تحالف الإنسانية" دون اتخاذ إجراءات دبلوماسية ملموسة تردع ما وصفته بـ "الاستفزازات الأمريكية" المستمرة.
وتأتي هذه الأزمة لتضاف إلى سجل من التوترات السابقة، حيث سبق وأن أثار باراك حفيظة السلطات التركية بتوصيفه الخلافات مع إسرائيل بأنها مجرد "خطابات سياسية"، ومطالبته بتعاون أمني وطاقي يُنظر إليه في أنقرة كفرض لمشاريع إقليمية لا تخدم المصالح الوطنية، مما يجعل بقاءه في منصبه محل جدل متصاعد قد يلقي بظلاله على مستقبل العلاقات الاستراتيجية بين البلدين في هذا الربيع العاصف سياسياً.
وعلى الرغم من أن السفير باراك حاول طرح رؤية تنموية كبديل للحلول العسكرية في التعامل مع كيانات مثل "حزب الله"، إلا أن أسلوبه المباشر وتدخلاته في تفاصيل السياسة الداخلية والإقليمية جعلته في عين العاصفة.
وبحسب الخبراء، فإن هذا الصدام يعكس فجوة عميقة في المفاهيم بين واشنطن التي تحاول فرض "واقعية اقتصادية" وأنقرة التي تتمسك بـ "استقلالية قرارها"، وهو ما يضع الحكومة التركية في موقف لا تحسد عليه بين مطالبات المعارضة بالرد الحازم وبين ضرورة الحفاظ على شعرة معاوية مع الحليف الأمريكي في ظل أزمات المنطقة المتلاحقة عام 2026.