حرية ومسؤولية
«القصة ما قبل الأخيرة» عمل سردي ذو طابع فلسفي ونفسي للكاتب وصانع المحتوى اللبناني خالد غطاس، صدر عام 2025 عن دار [[عصير الكتب|دار نشر وتوزيع مصرية]] للترجمة والنشر والتوزيع1. يمثل هذا العمل نقلة نوعية في مسار غطاس، إذ ينتقل فيه من القصة القصيرة والمقالة الفلسفية إلى بناء سردي متصل يمتد عبر خمسة عشر فصلاً. ترافق الرواية بطلها «ياسر» في رحلة عقلانية وشعورية جريئة، لتعالج أعمق التساؤلات الوجودية حول الحياة والموت، والفقد والرضا، وسلطة الآباء والأبناء، مدعومة برسومات توضيحية بريشة المؤلف نفسه لتعميق الأثر البصري والنفسي للتجربة الإنسانية2.
خالد غطاس صانع محتوى لبناني وكاتب مهتم بالسلوك البشري و[[علم النفس|الدراسة العلمية للسلوك والعقل البشري]] والفلسفة. يحمل درجة الدكتوراه في البيولوجيا الخلوية والجزيئية (Cellular and Molecular Biology) من [[الجامعة الأمريكية في بيروت|جامعة خاصة رائدة في لبنان]]، وماجستيراً في إدارة الأعمال الدولية من كلية إدارة الأعمال في [[إسبانيا|دولة أوروبية تقع في شبه الجزيرة الأيبيرية]]2. ورغم تخصصه العلمي الدقيق، اتجه غطاس نحو تحليل النفس البشرية وحضارة الشرق الأوسط، وتجلى ذلك في كتابيه السابقين «وكان النفاق جميلاً» و«ليس هذا ما كتبت»، اللذين اعتمدا على القصص الفلسفية القصيرة لتبسيط المعضلات الاجتماعية والفردية المعاصرة.
في «القصة ما قبل الأخيرة»، يتجاوز غطاس البنية القصصية القصيرة ليقدم تجربة سردية متكاملة عبر شخصية محورية واحدة. وُلدت هذه الرواية من رحم التأملات الطويلة في تجربة الفقد، وحاجة الإنسان إلى التصالح مع حتمية الألم بدلاً من إنكاره3. ويتميز العمل بمزجه المبتكر بين الكلمة المكتوبة والرسومات التوضيحية التي أبدعها غطاس بنفسه لتكون دليلاً بصرياً يرافق القارئ في رحلته الوجودية، مضفياً بُعداً فنياً يكمل النص المكتوب.
يغوص عالم الرواية في مساحة تتداخل فيها الواقعية بالرمزية، حيث تدور الأحداث في فضاءات نفسية وشعورية أكثر من كونها أماكن جغرافية محددة. يمر البطل بمحطات تمثل حالات إنسانية كالحب والنقمة والرضا والخوف، وتتحول الأفكار والمخاوف إلى كائنات أو أطياف تحاور البطل وترافقه في تيه المعنى.
| الشخصية / الرمز | الدور والأبعاد النفسية |
|---|---|
| ياسر | البطل المحوري الذي يقود الرحلة، يمثل الإنسان المعاصر المثقل بأسئلته الوجودية وبحثه الدؤوب عن المعنى والسكينة وسط تقلبات الحياة. |
| الآباء والأبناء | نماذج سردية تمثل صراع الأجيال والسلطة الأبوية، وتعكس كيف تُورث المخاوف والعقد وكيف يمكن كسر هذه الحلقة بوعي. |
| الموت / الفقد | ليس شخصية حية بل حضور طاغٍ يُحاور البطل، ليجسد حتمية النهاية وكيفية تقبلها كجزء من دورة الحياة الطبيعية. |
تبدأ الرحلة مع البطل «ياسر» وهو مكبل بمجموعة من الصراعات الداخلية والمخاوف العميقة. تتجلى أزمته في عدم قدرته على فهم التناقضات الصارخة في الحياة، كاستمرار الألم بعد الفقد وتأرجحه المستمر بين الحب والكره. الانطلاقة هي محاولة الخروج من حالة التيه الوجودي والبحث عن مسار يمنح قلبه وعقله شيئاً من السكينة عبر مساءلة كل المسلمات التي نشأ عليها، والتمرد على الأجوبة الجاهزة.
تتصاعد الأحداث بانتقال ياسر عبر محطات شعورية مختلفة على مدار فصول الكتاب، حيث يدخل في حوارات خيالية وجريئة مع أفكاره ومخاوفه. يواجه السلطة الأبوية التي شكلت وعيه في الماضي، ويصطدم بمفهوم الحب بشقيه المضيء والمظلم. تبرز الرسوم التوضيحية في هذه المرحلة كعلامات إرشادية تعكس عمق الصراع النفسي. يتعلم ياسر تدريجياً أن الألم ليس عدواً يجب تخديره أو الهرب منه، وأن الموت لا يُرفع إذا نزل، لكن الأزمة الداخلية التي ترافقه هي التي يمكن معالجتها بالوعي.
إن لم تقرأ الرواية بعد فقد تفضّل تجاوز هذا الجزء المتعلق بنهاية الرحلة ومآلاتها.
تصل رحلة ياسر إلى ذروتها عندما يواجه حتمية القضاء والموت وجهاً لوجه. يدرك أن الموت أمر حتمي لا يمكن رده أو عكس الزمن بعده ليعود من رحل، وأن المعاناة الحقيقية تكمن في سجن الأحياء لأنفسهم داخل ألم الفقد ورفضهم التام للتسليم. تنتهي الرواية بوصول البطل إلى محطة «الرضا»؛ فالأزمة الداخلية مع الفقد تنتهي بالتسليم والرضا الواعي، لا بالنسيان الخادع. يتعافى ياسر عبر الفهم العميق والصدق مع الذات، ليصبح العمل في نهايته مرآة تعكس كيف يولد التعافي الحقيقي من قلب المعاناة.
القضاء يعني ما هو حتمي، والحتميَّة الأساس والوحيدة على الإنسان هي الموت. ولكن هل يُرفع الموت؟ إن الموت لا يُرفع... ولكن المقصود أن ما يُرفع هو الأزمة الداخليَّة التي تسجن قلوب الأحياء وأيَّامهم... فإن معنى هذا الكلام أنّ أزمة الإنسان الداخليَّة مع الفقد تنتهي بالرضا.
خالد غطاس، «القصة ما قبل الأخيرة»
تعج الرواية بالرمزيات المستمدة من [[الفلسفة|دراسة الأسئلة الوجودية والمعرفية الأساسية]]، وأبرزها «الموت» الذي يُطرح ليس كنهاية مرعبة بل كحقيقة تعيد تعريف معنى الحياة لمن بقوا أحياء. يُشكل [[الرضا|التسليم الداخلي وتقبل الواقع بسلام]] المعادل الموضوعي للشفاء، وهو نقيض الاستسلام الانهزامي، بل هو قمة الوعي4. كما استخدم الكاتب الرسوم التوضيحية كرموز بصرية تختزل الكلمات وتعبر عن العوالم الداخلية التي يصعب وصفها لغوياً، جاعلاً من الفن أداة رديفة للسرد تخدم الغرض النفسي والفلسفي.
لاقت «القصة ما قبل الأخيرة» تفاعلاً واسعاً من قراء الدكتور خالد غطاس، خاصة بعد النجاح الكبير الذي حققته أعماله السابقة ومقاطعه المصورة عبر منصات التواصل الاجتماعي. أشاد القراء بجرأة الطرح وعمق الفكرة، واعتبروه عملاً لامس جراحهم المخفية، خاصة في تناوله الصادق لمفهوم الفقد وسلطة الآباء، ما جعل العمل يتصدر اهتمام القراء المهتمين بالأدب الفلسفي5.
أشادت المراجعات على منصات مثل «جودريدز» (Goodreads) و«مكتبة ذواقة» بقدرة الرواية على توفير عزاء فلسفي ونفسي للقارئ عبر لغة بسيطة وعميقة في آن واحد، ومزاوجتها المبتكرة بين السرد والرسم35. في المقابل، يرى بعض النقاد ومراجعي منصات القراءة أن العمل يغلب عليه الطابع الوعظي والفلسفي التقريري على حساب البناء الدرامي للرواية التقليدية، ما يجعل شخصياته أقرب إلى نماذج فكرية مجردة وناطقة بلسان الكاتب منها إلى شخصيات روائية من لحم ودم تتطور عضوياً ضمن الحدث6.
هذه الرواية موجهة للقارئ الذي يبحث عن مواساة عقلانية لآلامه الوجودية، ولمحبي الأدب الفلسفي المبسط الذي يخاطب العقل والوجدان معاً. هي تناسب بشدة من يمرون بتجارب الفقد أو يبحثون عن فهم أعمق للذات وعلاقتها بالآخرين وتقلبات الحياة. في المقابل، قد لا تُرضي القراء الذين يفضلون الحبكات الروائية المعقدة المليئة بالأحداث الخارجية السريعة والتفاصيل المكانية، حيث يتركز ثقل هذا العمل في حواراته الداخلية وبنيته التأملية الرمزية.
