حرية ومسؤولية
مع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك، تمتلئ الأسواق بالألوان وتتزين الشوارع والبيوت، ليطل علينا "فانوس رمضان" كواحد من أهم وأبرز الرموز الشعبية المرتبطة بهذا الشهر، ولا سيما في مصر حيث يحتل مكانة خاصة ومترسخة في الوجدان الجمعي.
لا يقتصر دور الفانوس على كونه قطعة زينة، بل هو جزء أصيل من ذاكرة الطفولة؛ حيث يطوف به الأطفال مرددين الأناشيد الرمضانية، ليمثل شراؤه طقساً أسرياً يعلن بدء مواسم التقارب والتكافل الاجتماعي.
تاريخياً، لم تنشأ فكرة الفانوس كرمز احتفالي، بل تعود جذوره لقرون بعيدة دعت فيها الحاجة إلى توفير الإضاءة ليلاً قبل ظهور الكهرباء.
ومع تعاقب الأزمان وتطور المجتمعات الإسلامية، أخذ الفانوس يكتسب طابعاً جمالياً وزخرفياً مستوحى من فنون العمارة الإسلامية، متحولاً تدريجياً من مجرد أداة وظيفية بحتة إلى أيقونة تراثية تحتفي بالهوية الثقافية.
أما لغوياً، فيُرجح الخبراء أن كلمة "فانوس" ذات أصل يوناني وتعني "المشعل المضيء" أو المصباح المحمي من الرياح، وقد دخلت إلى لغتنا العربية عبر تفاعل الحضارات في العهود السابقة.
ومع مرور الأيام، استقر هذا اللفظ في وجداننا العربي والمصري خصوصاً، ليتجاوز معناه المادي ويصبح الرمز الأول والأجمل للفرحة بقدوم شهر الصيام.
في مواجهة تضخمٍ جامحٍ يلتهم موائد السوريين، أطلق وزير الاقتصاد محمد نضال الشعار نداءً وجدانياً يمزج بين لغة السوق وأخلاقيات المهنة، مذكراً التجار بأن "الربح مشروع، لكن الاستغلال خطيئة".
تأتي هذه الدعوة في وقتٍ بلغت فيه تكلفة المعيشة ذروةً غير مسبوقة؛ حيث تحتاج العائلة السورية لما يقارب 90 ألف ليرة جديدة (9 ملايين ليرة قديمة) لمجرد تأمين الوجبات الأساسية في رمضان، وهو رقم يضع أصحاب الدخل المحدود في مهب الريح.
إن تشديد الشعار على "المنافسة العادلة" وربط التسعير بـ "الوفاء لتضحيات الشهداء" يعكس محاولة حكومية لاستنهاض المسؤولية الاجتماعية كخط دفاع أول قبل اللجوء للمطارق التموينية.
فالأرقام الصادمة التي كشفت عنها جمعية حماية المستهلك، حيث تتجاوز تكلفة الإفطار والسحور الشهري ميزانية الموظف بأضعاف، تجعل من "الضمير المهني" ضرورةً وجودية لا ترفاً خطابياً.
إن معركة رمضان هذا العام ليست معركة توافر السلع، بل معركة "عدالة التوزيع" وقدرة المواطن على الصمود أمام تغول الأسعار، في اختبارٍ حقيقي لقيم التجارة السورية التقليدية وسط واقع اقتصادي يحتاج إلى معجزات تتجاوز مجرد الوعود والرقابة.
بين طقوس العبادة وأنين الحاجة، يستقبل السوريون شهر رمضان بقلوبٍ يملؤها الإيمان وجيوبٍ تستنزفها الأرقام، حيث تحول إعداد مائدة الإفطار من بهجةٍ عائلية إلى معركة حسابية قاسية.
تشير البيانات الصادمة إلى أن العائلة المكونة من خمسة أفراد باتت تحتاج ميزانية فلكية تتراوح بين 6.6 و9 ملايين ليرة (بالعملة القديمة) لتأمين الوجبات الأساسية فقط، مما يعكس هوةً سحيقة بين الدخل والواقع.
فالسحور "البسيط" وحده قد يلتهم نحو 3 ملايين ليرة شهرياً، بينما تقف وجبة الإفطار كجبلٍ من الأعباء بتكلفة قد تصل لـ 6 ملايين، وهي أرقام تفوق قدرة الموظف العادي بأضعاف مضاعفة.
هذا المشهد لا يعكس تضخماً اقتصادياً فحسب، بل يمثل ضغطاً نفسياً واجتماعياً يهدد الروابط الأسرية؛ إذ تغيب اللحوم والحلويات عن الموائد لتتحول الوجبة الرئيسية إلى مجرد سد رمق.
إن غياب الرقابة الفعالة على الأسواق يترك المواطن وحيداً أمام جشع التجار، مما يجعل "رمضان الخير" هذا العام اختباراً حقيقياً للصبر والتكافل الاجتماعي في ظل أزمة معيشية هي الأصعب في تاريخ البلاد الحديث، حيث تلاشت الطبقة المتوسطة ولم يتبقَ سوى الإصرار على البقاء والتعلق بالأمل.
مع إشراقة أول أيام الشهر الفضيل لعام 2026، انطلق البث الرسمي لقناة "السورية" بشعارٍ يفيض بالدفء الإنساني: "سوريا بتضم الكل".
لم تكن هذه الانطلاقة مجرد إضافة رقمية للترددات، بل ولادة منبر يعكس التحولات العميقة في المجتمع السوري، واضعاً المواطن في مقام "الشريك" لا المتلقي.
بهوية بصرية أرجوانية ترمز للأصالة والحداثة، تقتحم القناة المشهد بعشرة أعمال درامية حصرية لعامي 2025 و2026، مثل "عرين الذئاب" و"شمس الأصيل"، لتقطع الصلة مع التكرار وتقدم وجبة فنية تليق بذائقة المشاهد.
إن اختيار رمضان موعداً للبث يلامس وجدان الأسر التي تجتمع حول الشاشة، حيث تمزج الدورة البرامجية بين الروحانيات وبرامج الطبخ والحكواتي، وصولاً إلى البرامج الميدانية الجريئة التي تنقل نبض الشارع وهمومه الخدمية دون رتوش.
هذه القناة، التي استثمرت في تدريب كوادرها بشغف، لا تسعى لتقديم الترفيه فحسب، بل تطرح نفسها كجسر لوجستي وثقافي يربط السوريين في الداخل والشتات، مؤكدة أن الإعلام الوطني بات مرآة حقيقية لواقعٍ جديد يقدس الهوية الجامعة ويصون قيم الأسرة السورية في مرحلة التعافي وبناء الأمل.
في لحظات تفيض بالروحانية والأمل، استقبل السوريون نبأ حلول شهر رمضان المبارك لعام 1447 هجري، حيث أعلنت اللجنة الوطنية لرصد الأهلة أن يوم الخميس 19 فبراير 2026 هو غرة الشهر الفضيل.
هذا الإعلان لم يكن مجرد تحديد لموعد صيام، بل حمل في طياته نبضاً إنسانياً تجسد في تهنئة الرئيس أحمد الشرع، الذي خاطب الوجدان السوري والعربي بكلمات مست شغاف القلوب، داعياً أن يكون هذا الشهر فاتحة خير للأمن والاستقرار والازدهار.
إن تزامن هذا النداء مع واقع البلاد يعكس رغبة عميقة في استعادة السكينة، حيث لا يمثل رمضان للسوريين مجرد طقوس دينية، بل هو جسر للتكافل الاجتماعي وفرصة لترميم الروابط الإنسانية بعد سنوات من التحديات.
التحليلات تشير إلى أن خطاب "الاستقرار والازدهار" يتجاوز البروتوكول ليصبح رؤية لمرحلة التعافي التي ينشدها المواطن في تفاصيل يومه.
ومع تعذر رؤية الهلال بالأمس، بدا وكأن الوقت يمنح الجميع فرصة لالتقاط الأنفاس والاستعداد لاستقبال نفحات الشهر بقلوب مؤمنة بقدرة هذا الوطن على النهوض مجدداً تحت ظلال الرحمة والوحدة.
في لحظة يملؤها الخشوع واللهفة، أعلنت اللجنة الوطنية لرصد الأهلة في سوريا أن يوم الخميس، 19 شباط 2026، هو غرة شهر رمضان المبارك لعام 1447 هـ، لتبدأ القلوب رحلة السكينة السنوية.
لم تكن عملية الرصد مجرد إجراء إداري، بل تجسيداً لدقة علمية فائقة؛ حيث وُلد الهلال فلكياً في الثالثة عصراً، لكنه توارى خلف أفق الغروب بعد دقيقتين فقط، مما جعل رؤيته بالعين أو التلسكوب "مستحيلة" واقعياً.
هذا التناغم بين الجمعية الفلكية السورية والمحاكم الشرعية يعكس نضجاً في المزاوجة بين العلم الشرعي والحساب الفلكي الحديث، مما يقطع الشك باليقين ويمنح الصائمين طمأنينة المؤسسات الراسخة.
ومع استكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً، استناداً للهدي النبوي الشريف، تتهيأ المحافظات السورية من جبل قاسيون إلى أقصى الديار لاستقبال نفحات الشهر الكريم.
إن هذا الإعلان ليس مجرد تحديد لموعد، بل هو دعوة للأمل، وتجديد للروابط الاجتماعية والدينية في بيئة تسعى دوماً للاستقرار والبركة، سائلين الله أن يجعله شهر خير يعمّ البلاد والعباد.