حرية ومسؤولية
لم تكن بنت جبيل يوماً مجرد نقطة على الخارطة، بل هي حكاية صمود ومأساة متوارثة، تتأرجح اليوم بين رمزية "عاصمة التحرير" وبين واقع عسكري مرير يهدد بمسح هويتها التاريخية.
المدينة التي "عُبّدت" طرقاتها يوماً نحو ديترويت الأميركية هرباً من النيران، تجد نفسها الآن خالية تماماً من سكانها في ما يوصف بـ "التهجير الأخطر" في تاريخها، وسط معارك "عظم تكسير" تدور في أزقتها وتلالها الاستراتيجية.
تجاوزت المعركة الحالية في بنت جبيل الجانب العسكري الصرف لتتحول إلى صراع إرادات ومعانٍ:
القيمة الاستراتيجية: السيطرة على المدينة تعني التحكم في القطاع الأوسط بالكامل، وتأمين قاعدة انطلاق نحو وادي السلوقي ونهر الليطاني، مما يجعلها "جائزة كبرى" للجيش الإسرائيلي.
الرمزية المعنوية: بالنسبة لـ حزب الله، الدفاع عن بنت جبيل هو دفاع عن "بيت العنكبوت"؛ العبارة التي أطلقها الراحل حسن نصر الله عام 2000 من قلب ساحتها. سقوطها عسكرياً يمثل ضربة قاصمة لصورة الردع والانتصار التي كُرست على مدى ربع قرن.
تغريب الهوية: يشير الواقع الميداني والاجتماعي إلى أن المدينة دُفعت نحو "هوية مستوردة" خلال سنوات هيمنة الحزب، مما أفقدها طابعها التراثي وسوقها التاريخي، لتتحول في الحرب الحالية إلى ساحة قتال "مغلقة" بعيدة عن نسيجها الأهلي الذي كان يوماً بوابته فلسطين والجليل.
الجانب الإسرائيلي: تشير المعطيات إلى اعتماد سياسة "التطويق والالتفاف"، مع تقارير تتحدث عن دخول فعلي إلى منطقة السوق التجارية في وسط المدينة لتحويلها إلى جيب معزول.
حزب الله: يبدي مقاومة شرسة لمنع السقوط الرمزي للمدينة، معتمداً تكتيكات مرنة لا تتشبث بالجغرافيا الثابتة بقدر ما تسعى لاستنزاف القوات المهاجمة.
ردود الفعل: (لم تصدر بيانات سياسية دولية مخصصة لبنت جبيل وحدها)، لكن التحركات في ديربورن الأميركية (جمهورية بنت جبيل في المهجر) بدأت تضغط سياسياً، كما فعل صاحب المطعم حسن عباس بانتزاع تعهد من ترمب، في محاولة لاستخدام نفوذ الاغتراب لحماية ما تبقى من الوطن الأم.
في كشفٍ مثير يزيح الستار عن "الاقتصاد الأسود" للحروب الحديثة، أظهرت تقارير عبرية أن اغتيال حسن نصر الله لم يكن مجرد عملية استخباراتية خاطفة، بل "صفقة موت" مكلفة بلغت فاتورتها 125 مليون شيكل (40 مليون دولار).
هذا الرقم الصادم لا يعكس فقط ثمن 83 طناً من المتفجرات التي ألقتها طائرات "السرب 69" لإنهاء حياته في 12 ثانية فحسب، بل يكشف عن تفاصيل مرعبة لاستراتيجية "الخنق المتعمد"؛ إذ أُنفق الجزء الأكبر (100 مليون شيكل) على غارات تكتيكية هدفت لخلق شلل مروري في الضاحية ومنع وصول فرق الإنقاذ، لضمان عدم وجود أي فرصة للنجاة.
تعكس هذه الحسابات الدقيقة، التي يشرف عليها المستشار المالي للأركان، تحولاً مخيفاً حيث يُسعّر الموت كأي سلعة في جداول الموازنة، في خضم حرب استنزفت الاقتصاد الإسرائيلي بمئات المليارات (تقديرات تصل لـ 352 مليار شيكل).
وبينما شُيع نصر الله في مشهد مهيب ببيروت، تظل هذه الأرقام شاهداً بارداً على حرب لم تعد تقاس بالأرواح المزهقة فقط، بل بالتكلفة الباهظة لكل ثانية من الدمار.