حرية ومسؤولية
يأخذنا المخرج منتجب صقر في عرضه المسرحي "الليلة التي سبقت الغابات" –عن نص برنار ماري كولتيس– إلى منطقة رمادية، حيث لا حكاية تقليدية نتابع فصولها، بل "حالة إنسانية" مفتوحة على مصراعيها، تعج بالخوف والوحدة والضياع.
العمل ليس مجرد عرض مقتبس، بل هو إعادة صياغة للنص في سياق سوري مشحون بالحساسية، ليتحول التشرد فيه من مفهوم اجتماعي إلى استعارة وجودية شاملة عن إنسان فقد مكانه، وهويته، وصوته في هذا العالم.
في خيار إخراجي ذكي، فكك صقر طابع المونودراما الأصلي للنص، مضيفاً شخصية نسائية لتتحول التجربة إلى "ديودراما" تتقاسم فيها الشخصيتان عبء الخسارة.
الأداء التمثيلي: قدم غسان الدبس شخصية مأزومة تقف على حافة الانهيار، بينما أضفت رشا الزغبي على الشخصية النسائية هشاشة موجعة، تعكس ذاكرة كاملة من الفقد.
التواصل: لم يمثل الرجل والمرأة شخصيات درامية مكتملة، بل صوتاً واحداً للخذلان، ومحاولة يائسة للبحث عن مستمع في مدينة لا تكترث.
ينتمي العرض إلى مدرسة "مسرح ما بعد الدراما"؛ حيث تتراجع الحبكة لصالح التدفق النفسي والانفعالي. اللغة هنا ليست وسيلة للسرد، بل هي "حبل نجاة" يستخدمه الممثلون لتأجيل السقوط في صمت المدينة الباردة. اعتمد المخرج على الاقتصاد البصري، مكتفياً بالإضاءة والصوت والحضور الجسدي الخام، ليترك المساحة الكبرى للكلمة وللجرح الإنساني الذي يعجز عن الالتئام.
المطر كعنصر فاعل: لم يكن المطر في العرض مجرد خلفية، بل كان تجسيداً لعالم لا يمنح الأمان، حيث تقف الشخصيات مكشوفة أمام خوفها الداخلي.
لم يكتفِ صقر بحبس الشخصيات في فضاء الخشبة، بل كسر "الجدار الرابع" لتصبح الشخصيات تخاطب الجمهور مباشرة، مطالبة إياه بالاعتراف بوجودها. هذا التحول جعل المتفرج ينتقل من مقعد "المتلقي المحايد" إلى مقعد "الشاهد" على هشاشة الإنسان المعاصر.
يختتم العرض رسالته بصرخة هادئة في وجه المدينة التي لا ترى "المهمشين" إلا كظلال عابرة، ليؤكد أن المأساة الحقيقية للإنسان قد لا تكمن في فقدان كل شيء، بل في انعدام من ينصت لصوته. لقد نجح منتجب صقر في تقديم قراءة سورية مكثفة، جعلت من الخشبة مساحة إنصات نبيلة للمنسيين.