حرية ومسؤولية
إن تعميم محافظة طرطوس اليوم، الاثنين 11، محاولة استباقية لـ "تطويق الحريق" قبل أن يمتد إلى أزقة الساحل؛ فالمحافظة التي اعتادت الهدوء، تجد نفسها اليوم في مواجهة دعوات تظاهر يقودها ناشطون وما يسمى بـ "المجلس السياسي لإقليم وسط وغرب سوريا".
هذا الاستنفار الرسمي لا يعكس فقط الخشية من "تجمع غير مرخص"، بل يعبر عن قلق عميق من تحول قضية الشابة بتول علوش من ملف اجتماعي شائك إلى شرارة لتوتر سياسي وطائفي يهدد السلم الأهلي الهش.
تحذير المحافظة من "الأجندات المشبوهة" والتلويح بـ "الحزم" القانوني وفق البلاغ رقم /201/ لعام 2026، يضع الدولة في اختبار حقيقي بين ضمان حرية التعبير عن "قضية رأي عام" وبين منع الانزلاق نحو الفوضى.
إن استخدام لغة "الملاحقة" و"الضرب بيد من حديد" يعكس إدراكاً أمنياً بأن الشارع المشحون رقمياً منذ أيام قد ينفجر ميدانياً، مما يجعل من الالتزام بالقوانين النافذة ضرورة قصوى لتفادي "عسكرة المطالب الاجتماعية".
وبينما ينقسم السوريون على المنصات الزرقاء بين مطالب بالعدالة ومحذر من الاستغلال السياسي، تظل طرطوس تراقب بحذر، مدركة أن "بتول" لم تعد مجرد اسم، بل أصبحت اختباراً لمدى قدرة مؤسسات الدولة على احتواء الأزمات العاطفية قبل أن تتحول إلى مواجهات في الساحات.
يا له من أداءٍ سينمائي مبهر قدمه لنا 'المرصد السوري' في ملف بتول علوش!
فبين ليلة وضحاها، تحول المرصد من 'راصد للانتهاكات' إلى 'محلل نفسي' ومنظر في العلاقات الأسرية.
من المثير للسخرية أن يتحدث المرصد عن 'مخاوف من عودة ملف المخطوفات' وهو يرى الفتاة تظهر في بث مباشر، أمام وجهاء وإعلاميين، وبحضور محامٍ وكلته بنفسها، لتؤكد أنها ليست مختطفة.
لكن يبدو أن 'نشطاء المرصد' لديهم قدرات خارقة في رؤية ما وراء الكاميرا؛ فالفتاة التي تتحدث بملء إرادتها هي بالنسبة لهم 'مختطفة مجبرة' لأن الرواية الحقيقية لا تخدم 'بسطة القلق الشعبي' التي يعتاشون عليها.
أما عن إقحام فتاوى عبد الرزاق المهدي، فمن الواضح أن المرصد يحاول اصطياد 'الفتنة' في عكر التجاذبات المذهبية ليلمع صورته كحارس للسلم الأهلي، بينما هو في الحقيقة يصب الزيت على النار بنقل اتهامات 'الاختطاف والإجبار' بلا دليل ملموس، سوى 'قيل وقال' في غرف الدردشة.
عزيزي المرصد، العدالة لا تُبنى على 'حالة إنسانية صعبة' في شريط مصور للعائلة، بل على إرادة قانونية لشابة راشدة اختارت طريقها.
كفاكم متاجرة بملفات 'المخطوفات' لتحريك الغرائز الطائفية، فالجمهور السوري صار يدرك جيداً الفرق بين 'التوثيق الحقوقي' وبين 'التحريض الملون' برداء القلق الإنساني.
تتسارع أحداث قضية ابنة مدينة جبلة لتأخذ أبعاداً قانونية ودينية مقلقة، يمكن تلخيص مشهدها الراهن في ثلاث نقاط مفصلية:
1. الظهور المثير للجدل والتناقض العائلي: أمام وجهاء مدينة جبلة، أكدت بتول أنها غادرت منزلها بمحض إرادتها لـ "أسباب خاصة"، نافيةً رواية والدتها حول وجودها في مركز "الأخوات".
هذا الظهور يأتي رداً على بث مباشر لعائلتها اتهموا فيه جهات باختطافها بعد إخلاف الوعد بعودتها يوم الأحد. قانونياً، أكد محاميها أكرم منصورة من أمام مجمع جبلة الحكومي أنها وكلته رسمياً ومثلت أمام المباحث الجنائية للإدلاء بإفادة "روتينية"، مما يعطي القضية غطاءً شرعياً بأنها ليست "محتجزة قسرياً".
2. فتوى الشيخ عبد الرزاق المهدي والبعد الديني: دخلت القضية منعطفاً خطيراً بصدور فتوى من الشيخ عبد الرزاق المهدي تحرم إعادة بتول إلى أهلها، مستنداً إلى أنها "اعتنقت الإسلام حديثاً" (وفق قوله) وتعرضت للمنع من الحجاب والصلاة.
استشهاده بالآيات القرآنية لمنع إعادة "المؤمنات" أثار موجة غضب عارمة، حيث اعتبرها مراقبون فتوى "تكفيرية" تخرج طائفة كاملة (العلوية) من دائرة الإسلام وتشرعن انتزاع الأبناء من عائلاتهم.
3. رد طرطوس ودعوات الفتوى المضادة: في المقابل، جاء رد الشيخ محمد ميهوب (إمام جامع الإمام جعفر الصادق بطرطوس) ليعكس حجم القلق الوجودي؛ حيث طالب مفتي الجمهورية الشيخ أسامة الرفاعي بفتوى واضحة وصريحة تنهي الجدل حول إسلام الطائفة العلوية، رداً على حملات التحريض والتكفير التي أعقبت قضية بتول.
واعتبر ميهوب أن المسألة تجاوزت "هروب فتاة" لتصبح قضية "كرامة ومصير" في ظل تهديدات التكفير الجماعي.
إن قضية بتول علوش اليوم هي اختبار حقيقي لـ "سوريا الجديدة" ومؤسساتها القضائية والروحية. فبينما يتمسك القانون السوري بحرية المعتقد وحق الأسرة، تأتي الفتاوى الدينية لتخلق "دولة داخل الدولة".
إن صمت المؤسسات الرسمية أو تأخرها في حسم الجدل حول "ماهية المواطنة" قد يحول حادثة فردية إلى فتنة طائفية كبرى، في وقت تحتاج فيه البلاد للوحدة لا لتمزيق النسيج الاجتماعي بفتاوى الإقصاء.