حرية ومسؤولية
أجبرت ميليشيا الحرس الوطني الناشط المدني عاطف هنيدي على مغادرة محافظة السويداء اليوم عقب ساعات من احتجازه وضربه وتهديده بالتصفية الجسدية، إثر مداهمة استهدفت منزله بسبب مواقفه المناهضة للمجموعات المسلحة المنفلتة ورفضه المتكرر لانتهاكاتها الميدانية.
داهم عناصر الفصيل المحلي منزل هنيدي وصادروا هواتفه وأوراقه الثبوتية قبل نقله إلى مقر احتجاز غير رسمي، ليوجهوا له إنذاراً نهائياً بالخروج الفوري من المدينة أو مواجهة القتل. وتأتي هذه الواقعة وسط تصاعد ملحوظ في وتيرة التعديات التي تنفذها تشكيلات رديفة تدير حواجز عشوائية في ريف المحافظة، مستغلة حالة الفراغ الإداري لفرض إتاوات على حركة البضائع وترهيب الناشطين المستقلين. وشهدت السويداء خلال العامين الماضيين حراكاً شعبياً واسعاً طالب بفرض سلطة القانون وتفكيك العصابات المنفلتة التي تغذي عمليات الخطف والابتزاز المالي، بينما حذرت فعاليات أهلية ودينية مراراً من خطورة تحول تلك المجموعات إلى سلطة أمر واقع تبتز السكان وتقوض الاستقرار المجتمعي. وتواجه المحافظة تحديات أمنية متراكمة تتزامن مع تدهور معيشي خانق وشلل أصاب مرافق الدولة الخدمية، مما عمق حالة الاستقطاب الداخلي ودفع عائلات كثيرة إلى الهجرة القسرية بحثاً عن الأمان. وتواصل قوى محلية مساعيها لتأمين حماية للمدنيين وتنسيق الجهود مع الوجهاء لمنع تفاقم الانفلات المسلح وصون السلم الأهلي المهدد بممارسات الفصائل المتناحرة.
هذا الحرس الوطني، الذي وُلد في آب الماضي من الفصائل الدرزية، جاء كرد فعل على أحداث أمنية ومخاوف عميقة. الأهم، أنه يجسد "المطالب الشعبية" على زعم هذه الفصائل التي لم تعد تكتفي بالإدارة الذاتية، بل تطالب بـ "الانفصال" عن الحكومة الانتقالية.
وبينما تتجه أنظار دمشق نحو واشنطن وباقي العواصم، يرسل "الجبل" رسالته: أي ترتيب مستقبلي لسوريا يجب أن يأخذ بعين الاعتبار هذا "الجيش" المحلي، الذي وُلد لحماية أهله حسبما يقول، وبات اليوم يمثل إرادة سياسية مستقلة لا يمكن تجاهلها.
يواجه "الحرس الوطني" في السويداء خطر الانهيار التام، بعد أن تحولت خلافات قياداته الهشّة إلى اشتباك مسلح داخل مقره.
الأزمة انفجرت إثر عقد قياديين مقربين من الشيخ حكمت الهجري اجتماعًا غير منسق مع وفد أميركي زار المحافظة، الأمر الذي اعتبره القائد المعين، العميد جهاد الغوطاني، خرقًا للتراتبية.
هذا التصدع، الذي أظهرته عبارة "مكان ما بيكون حذائي بتكون القيادة"، يكشف عن الصراع العميق الجذور بين مكونات التشكيل المتنافرة.
ورغم محاولات الغوطاني حلّ المكتب الأمني وتحويل المتورطين للقضاء، إلا أن رفضهم الخروج يعكس صراع نفوذ قد يدفع الجنوب السوري نحو مزيد من التوتر والهشاشة الأمنية.