حرية ومسؤولية
في خطاب ملفت أمام الكونغرس، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب النقاب عن تفاصيل غير مسبوقة لعملية عسكرية أمريكية وصفها بأنها من “أكثر الإنجازات العسكرية تعقيداً وروعة في التاريخ”.
هذه العملية التي استهدفت فنزويلا، أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو رغم تحصنه خلف آلاف الجنود وأحدث التقنيات العسكرية، ليتم نقله وزوجته إلى الولايات المتحدة لمواجهة العدالة بتهم تتعلق بتهريب المخدرات، وهو ما لطالما نفاه مادورو مراراً.
لم تقتصر تصريحات ترامب على الإشادة بالبسالة العسكرية وتكريم قائد المروحية المصاب بوسام الشرف، بل امتدت لتسليط الضوء على المكاسب الاستراتيجية والاقتصادية الهائلة لواشنطن.
فقد أعلن ترامب عن تدشين مرحلة جديدة من التعاون الوثيق مع الرئيسة الفنزويلية الجديدة بالوكالة، ديلسي رودريغيز، لفتح آفاق مشرقة للشعب الفنزويلي.
هذا التحول السياسي أثمر سريعاً؛ فقد أعلن ترامب استقبال واشنطن لأكثر من 80 مليون برميل من النفط الفنزويلي، وبحث مشاركة أمريكا في استثمار حقول النفط هناك، في مفارقة تتزامن مع استمرار الحصار الأمريكي لمنع كاراكاس من تصدير نفطها.
ومع إطلاق السلطات الفنزويلية الجديدة سراح مئات السجناء السياسيين، يبرز تساؤل مهم حول مسار هذا البلد الغني بالنفط في ظل هذه الهندسة السياسية الجديدة.
في لحظة فارقة ترسم ملامح الشرق الأوسط الجديد، تتشابك الرؤية الدبلوماسية لأنقرة مع التحركات الميدانية لواشنطن لإنهاء كابوس "داعش" المستمر.
فبينما يطرح الوزير هاكان فيدان رؤية جريئة ترى أن الحل الأمثل يكمن في نقل "قنابل داعش الموقوتة" من سوريا إلى العراق، وتجريد الشمال السوري من الذرائع الأمريكية للبقاء، بدأت القيادة المركزية الأمريكية فعلياً بفتح صفحة جديدة عبر تدشين مهمة نقل آلاف المحتجزين لضمان عدم عودتهم للواجهة.
هذا الحراك المتسارع ليس مجرد عملية لوجستية عابرة، بل هو رهان مصيري على استقرار المنطقة؛ إذ يصر فيدان بلهجة حازمة تلامس الوجدان القومي التركي على ضرورة الفصل التام بين المكون الكردي الأصيل وتنظيمات "قسد"، مؤكداً أن حلم "تركيا بلا إرهاب" لا يقبل أنصاف الحلول أو الاكتفاء بوعود التهدئة الجوفاء.
إننا أمام مشهد يعيد تشكيل التحالفات، حيث تتلاقى المصالح الأمنية لغلق ملف السجون الخطرة، لعلّ سوريا تتنفس الصعداء أخيراً بعيداً عن وصاية السلاح الدخيل وشبح الإرهاب العابر للحدود.
فبدلاً من الانسحاب، ترسل واشنطن رسالة معاكسة تماماً. لم يكن وصول 27 آلية برية من العراق إلى قاعدة قصرك الرئيسية مجرد دعم لوجستي، بل هو تأكيد على البقاء.
والأخطر، ما حملته طائرات الشحن الثلاث إلى قاعدة رميلان: 22 جندياً جديداً، طائرات مسيرة، معدات اتصالات متطورة، وأنظمة مسح جغرافي مدعومة بالأقمار الصناعية.
هذا ليس انسحاباً، بل هو "إعادة تموضع" تكنولوجي فائق الدقة. فبينما كانت الرواية الدبلوماسية تتحدث عن "التقليص"، كان البنتاغون يخطط لترسيخ وجوده النوعي.
أمريكا لا تغادر، بل تبدل جلدها على الأرض السورية، تاركةً وعودها لحلفائها في "قسد" مجرد كلمات في الهواء.