حرية ومسؤولية
قبل أسابيع قليلة من صافرة البداية في ملعب "أزتيكا"، تتصاعد وتيرة القلق والترقب حول مصير المنتخب الإيراني في المجموعة السابعة لمونديال 2026.
ورغم تأكيدات "جياني إنفانتينو" الرسمية، إلا أن تقارير صحفية، أبرزها ما نشره موقع "ذا أثلتيك"، كشفت عن سيناريوهات بديلة يدرسها الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) لمواجهة أزمة دخول البعثة الإيرانية إلى الولايات المتحدة.
الخطة تتضمن تنظيم "ملحق قاري استثنائي" يجمع أفضل المنتخبات غير المتأهلة من أوروبا وآسيا لشغل المقعد في حال الانسحاب أو الاستبعاد الرسمي.
هذا السيناريو الاستثنائي أعاد الأمل للمنتخب الإيطالي (الآتزوري) للظهور في المحفل العالمي اعتماداً على تصنيفه الدولي المتقدم، كما فتح الباب أمام "الأبيض" الإماراتي الذي قدم تصفيات آسيوية قوية وكان قاب قوسين أو أدنى من الملحق العالمي.
ومع اقتراب موعد المباراة الافتتاحية في 11 يونيو بين المكسيك وجنوب إفريقيا، يظل مصير مواجهات إيران أمام نيوزيلندا وبلجيكا ومصر معلقاً بانتظار قرار "الفيفا" النهائي، في نسخة استثنائية يدافع فيها ميسي ورفاقه عن لقبهم وسط أمواج من التحديات اللوجستية والسياسية.
في موقفٍ يفيض بالجرأة، انتصر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، جياني إنفانتينو، لروح اللعبة، رافضاً بصرامةٍ تحويل كأس العالم 2026 إلى "ساحة لتصفية الحسابات السياسية".
لم تكن كلمات إنفانتينو مجرد دفاع عن تنظيم البطولة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بل كانت صرخة إنسانية تؤكد أن كرة القدم هي "المساحة الجامعة" في عالمٍ تنهشه الصراعات.
ففي مواجهة رياح المقاطعة القادمة من أروقة البرلمانات في فرنسا وألمانيا احتجاجاً على سياسات الرئيس دونالد ترمب، اختار إنفانتينو أن يذكّر العالم بأن الرياضة لا ينبغي أن تُحمل أوزار الدبلوماسية، متسائلاً بذكاء عن سبب استهداف الكرة دون التجارة.
إن هذا المونديال التاريخي، الذي سينتهي في نيويورك، يمثل فرصة نادرة لتعزيز الشغف المشترك لا لتأجيج الكراهية. إنها معركة الحفاظ على "نقاء الرياضة" بعيداً عن تجاذبات التأشيرات والحدود، حيث يرى الفيفا أن الشعوب تستحق أن تجتمع حول الكرة، لا أن تُفرقها المواقف، لتبقى ملاعب عام 2026 منبراً للوحدة والتلاقي بين الثقافات، مهما بلغت حدة التوترات العالمية.
إعلان جياني إنفانتينو عن استحداث "جائزة فيفا للسلام" هو اعتراف مؤثر بأن العالم "المنقسم" بحاجة لمن يوحده.
الأهم هو التوقيت والمكان؛ فتقديم الجائزة الأولى سيتم في 5 ديسمبر خلال قرعة كأس العالم 2026، الحدث الذي سيتابعه مليار مشاهد من قلب واشنطن.
هذه القرعة، التي ستحدد مسار 48 منتخباً (منها 28 ضمنت تأهلها كالجزائر ومصر والسعودية والأردن) في مركز "جون كينيدي"، تحمل رمزية سياسية عميقة.
ففي الوقت الذي كان فيه الرئيس ترامب، مستضيف الحدث، يسعى لجائزة نوبل للسلام وينتقد لجنتها، يقرر الفيفا إطلاق جائزته الخاصة للسلام من عاصمته.
إنها رسالة ذكية مفادها أن كرة القدم، التي تجمع الشعوب، تملك أيضاً القدرة على تكريم من يجمعهم في الواقع، محولة بذلك سحب القرعة إلى احتفاء عالمي بالوحدة والإنسانية.
لم يكن لقاء رئيس الفيفا جياني إنفانتينو بالرئيس أحمد الشرع مجرد اجتماع رياضي عابر، بل كان "مصافحة" دبلوماسية رفيعة المستوى، تزامنت مع لقاءات بوزير الخارجية السعودي وتمهيداً لقمة مع ولي العهد.
كلمات إنفانتينو عن "تقديره لرؤية الرئيس الشرع" وقدرة اللعبة على "منح الأمل ورفع المعنويات" هي بمثابة ضوء أخضر عالمي لعودة سوريا.
وعندما أكد إنفانتينو على التعاون "لمصلحة جميع السوريين - فتيات وفتياناً، نساء ورجالاً"، فهو لم يكن يتحدث عن كرة القدم فحسب، بل كان يبارك المسار الجديد لسوريا "العاشقة لكرة القدم".
إنها رسالة بأن إعادة إعمار الروح السورية لا تقل أهمية عن إعادة إعمار الحجر.