تحديثات قادمة
نقوم حالياً ببعض التحسينات لتقديم تجربة أفضل. سنعود قريباً جداً!
00يوم
00ساعة
00دقيقة
00ثانية
*F

إعدادات البث المباشر

جاري تحميل التاريخ...
AR ▾

إعدادات الخبر العاجل

بين فرحة الميلاد ورهبة الرحيل: تأملات في الألم، والجسد، وانعتاق الروح

بين فرحة الميلاد ورهبة الرحيل: تأملات في الألم، والجسد، وانعتاق الروح

قبل يومين، جلست على ذلك الكرسي البارد، أستسلم لمبضع الطبيب وقرار حاسم باقتلاع جزء مني. لم يكن الأمر مجرد ضرس يُخلع ويُرمى، بل كان مشهداً مصغراً لانتزاع جذورٍ تغلغلت في لحمي وعظمي لسنوات طوال. 

وحين بدأ تأثير المخدر يتلاشى ببطء، اجتاحني ألم فظيع؛ ألم نابض ومستبد، يفرض سطوته على حواسي كلها، ولا يترك لي مجالاً للهروب.


وسط هذه العاصفة من الوجع، وفي تلك اللحظات التي يتنحى فيها ضجيج العالم الخارجي ليترك الساحة لتأملات الذات، سافر بي الزمن إلى الوراء بعيداً. 

تذكرت طفولتي، وتلك الفرحة الغامرة التي كانت تملأ وجوه عائلتي حين شقّ أول أسناني طريقه إلى النور. تذكرت كيف كان بروز ذلك السن الصغير الأبيض إعلاناً مبتهجاً ببدء مرحلة جديدة من الحياة، وكيف كنا نحتفي بالنمو والاكتمال.


يا لها من مفارقة فلسفية عجيبة تختصر عبثية التعلق بالأشياء؛ كيف يكون قدوم هذا السن مصحوباً بالابتسامات والاحتفال، دليلاً على الحياة التي تتفتح، بينما خروجه اليوم لا يجلب سوى الدماء، والألم المبرح، وشعوراً عميقاً بالفقد! 

نحن في هذه الحياة نحتفي بالبدايات ونبني آمالنا عليها، نزرع جذورنا في أرض هذا العالم كما تُزرع أسناننا في فكوكنا، نعضّ على دنيانا بالنواجذ، ونظن واهمين أننا مخلدون فيها، وأن ما نملكه أصبح جزءاً لا يتجزأ من كينونتنا. 

ولكن الحقيقة الفلسفية الصارمة تؤكد أن كل ما ينمو فينا ويشتد، يحمل في طياته بذور فنائه، وأننا في حالة تخلٍّ تدريجي ومستمر عن أجزائنا، وعن أحلامنا، وعن الأشخاص من حولنا، حتى نصل إلى التخلي الأكبر.


وأنا الذي طالما تأملت هذا الجسد البشري المذهل، وكيف تتشابك فيه الأعصاب والأنسجة في لوحة ربانية بالغة التعقيد، وقفت مذهولاً أمام هشاشتنا الإنسانية. 

كيف لقطعة صغيرة من العاج الميت، لا تتجاوز حجم عقلة الإصبع، أن تستعبد الوعي بأكمله حين يُكشف عصبها؟ 

كيف تتشبث جذورها باللثة والعظم، تقاوم الانتزاع، وترفض المغادرة بكل ما أوتيت من قوة وتاريخ، وكأنها ترفض حتمية الزوال!


وفي ذروة تلك اللحظة القاسية، وحين اختلط ألم الجسد بوهج البصيرة، قفزت إلى ذهني صورة مهيبة أوقفتني عن التفكير في وجعي الصغير: لحظة خروج الروح عند الممات.


إذا كان اقتلاع جزء مادي صغير من الجسد يترك فينا كل هذا الخراب والوجع، وتلك المقاومة الشرسة للانفصال، فكيف ستكون إذن لحظة انتزاع الروح من الجسد بأكمله؟ 

كيف سيكون انفكاك هذا الكيان النوراني الخفي الذي تغلغل في كل خلية من خلايانا، وسرى في دمائنا، وعاش معنا كل ذكرياتنا وضحكاتنا ودموعنا عبر عشرات السنين؟ 

كيف ستنسحب الروح من أطرافنا التي ألفتها، ومن قلوبنا التي سكنتها، لتترك الجسد في سكونه الأبدي، كقميصٍ بالٍ خُلع للتو؟


هنا يتجلى البعد الديني بأعمق صوره، مذكراً إياي بقوله تعالى: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا}

تذكرت أن هذا الجسد ليس ملكاً لي، بل هو "أمانة" وعارية مستردة، أودعها الخالق فينا لأجل مسمى. وأن الروح حين يحين أجلها، ستُنزع كما يُنزع هذا السن، ولكن شتان بين ألمٍ يعقبه شفاء دنيوي، وبين سكرات موتٍ تفتح الباب على اليقين المطلق. 

تذكرت قوله تعالى: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ}، حيث تقف كل علوم البشر ومهاراتهم عاجزة أمام تلك اللحظة الجليلة التي تُسلم فيها الروح لخالقها.


إن السن الذي خلعته لم يكن مجرد جزء مريض تخلصت منه، بل كان واعظاً صامتاً، ودرساً بليغاً في الفناء. 

لقد أيقظني من غفلة التعلق بالدنيا، وذكّرني بأننا عابرو سبيل. 

وبين ضحكة الفرح الأولى بقدوم أجزائنا، وأنّة الوجع الأخيرة عند رحيلها، رحلة قصيرة نتعلم فيها أن كل شيء هالك إلا وجهه، وأن الألم ما هو إلا جرس إنذار يطهرنا، ويدعونا لنستعد للحظة الكبرى... 

اللحظة التي نرجو فيها من الله أن يكون خروج أرواحنا كانسياب قطرة الماء من السقاء، لا كشوكٍ يُنتزع من صوفٍ مبتل، وأن يكون لقاؤنا به، بعد كل هذا الألم، برداً وسلاماً.