من "حليف الحرب" إلى "شريك البناء".. دمشق وموسكو ترسمان ملامح التعاون الأمني في "العهد الجديد"
فبينما ظلت موسكو متمسكة بنقاط ارتكازها الاستراتيجية في حميميم وطرطوس (الإرث الثقيل من عهد الأسد)، فإن المحادثات "المكثفة" التي أكدها المسؤولون الروس، تنتقل الآن من مجرد الوجود العسكري إلى "تبادل الخبرات" لبناء المؤسسات الأمنية والشرطية. هذه "فلسفة" جديدة للتعاون.
دمشق لا تنكر النفوذ الروسي القائم، لكنها تضعه في إطار "المصالح المشتركة" والتهديدات المتبادلة. ومع استمرار الاجتماعات الفنية بين الضباط، يبدو أن سوريا الجديدة ترسل رسالة واضحة: نرحب بالخبرة لرفع الجاهزية، ولكن ضمن اتفاقيات أمنية واضحة تخدم رؤيتنا الوطنية أولاً، وتطور العلاقة من مجرد حليف عسكري إلى شريك في بناء الدولة.
"إعادة ضبط" القواعد: كيف تفاوض دمشق الجديدة موسكو على المستقبل؟
اللقاءات المكثفة التي أكدها نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين، واجتماع اللجنة الحكومية المشتركة، ليست مجرد بروتوكول، بل هي ترجمة عملية لمفاوضات صعبة بدأت في الكرملين.
زيارة ماهر الشرع الأخيرة لموسكو، وإن ركزت رسمياً على "إعادة الإعمار" و"التعاون متعدد الأوجه"، إلا أن القلب الحقيقي للمحادثات هو مصير القواعد العسكرية الروسية.
فبينما أكد الرئيس الشرع لبوتين رغبته بـ "إعادة ضبط" العلاقة، تسعى دمشق اليوم لإطار قانوني ومالي جديد ينظم هذا الوجود، فيما تتمسك موسكو بحميميم وطرطوس كضمانة لنفوذها في المتوسط.
هذه "المحادثات المكثفة" هي في الواقع مفاوضات دقيقة وحساسة بين حليف قديم، وقيادة سورية جديدة تسعى لترسيخ سيادتها الكاملة في مرحلة ما بعد الحرب.
من "إعادة الضبط" إلى "التفاصيل": وزير دفاع سوريا يطير إلى موسكو لوضع "أسس" الشراكة الجديدة
إنها النزول من سماء "السياسة العليا" إلى أرض "التفاصيل العسكرية". فكما أشار الوزير الروسي أندريه بيلوسوف، اللقاء الرئاسي منح "زخماً جديداً" و"إمكانات هائلة" للعلاقات.
وهذه الزيارة، التي استمرت ثلاثة أيام، هي التي ستحدد شكل هذه الإمكانات: "تدريب" متقدم لإعادة بناء الجيش السوري، و"تعاون تقني" لرفع كفاءته.
بالمقابل، وُضعت "الصفقة" الأهم على الطاولة: التفاوض حول "الإطار القانوني والمالي" الجديد للقواعد الروسية (حميميم وطرطوس) التي تضمن نفوذ موسكو. إنها ليست مجرد محادثات، بل هي هندسة "شكل التحالف" في مرحلة ما بعد الحرب.
من "إعادة الضبط" إلى "التنفيذ العملي": وزير دفاع سوريا في موسكو لترجمة "قمة الكرملين" إلى واقع عسكري
عندما هبط وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة في موسكو، لم يكن الأمر مجرد مجاملات؛ بل كان لترجمة "إعادة ضبط العلاقات" التي أرساها الرئيسان الشرع وبوتين مؤخراً إلى واقع عسكري ملموس.
كان هذا الاجتماع مع نظيره أندريه بيلاؤوسوف هو الخطوة الأولى الحاسمة نحو "التنفيذ العملي".
بيلاؤوسوف نفسه اعترف بأن قمة الرئيسين منحت "زخماً جديداً" وجعلت الاتصالات "فعالة" أخيراً، بعد أن كانت شكلية.
لم تعد الأجندة للبقاء، بل لبناء المستقبل. وبينما غطت المباحثات "التدريب والتعاون التقني"، كان الموضوع الحقيقي الذي يطغى على الطاولة هو "الإطار القانوني والمالي الجديد" للقواعد الروسية.
فسوريا، التي تسعى لإعادة بناء جيشها الوطني، تريد علاقة ندية، وموسكو، التي تحتاج حميميم وطرطوس كنقطة ارتكاز لنفوذها في المتوسط وإفريقيا، تدرك أنه يجب عليها التكيف.
هذا اللقاء لا يطور العلاقات فحسب، بل يعيد تعريفها بالكامل.
"الضوء الأخضر" من دمشق: موسكو تعيد تفعيل "الجسر الجوي" بين حميميم وليبيا بعد قمة الشرع وبوتين
لم يكن هذا مجرد تحليق لطائرة شحن عسكرية. إن عودة الطائرة "إليوشن" (RA-86559) من قاعدة الخادم الليبية إلى حميميم هي النتيجة الملموسة الأولى لـ "إعادة ضبط العلاقات" التي تمت في الكرملين.
توقف هذا الجسر الجوي لخمسة أشهر لم يكن فنياً، بل كان سياسياً بامتياز؛ كانت موسكو تنتظر لترى كيف ستتصرف دمشق الجديدة.
والآن، بعد 11 يوماً فقط من قمة بوتين والشرع، جاء الجواب.
لقد أعطت دمشق، التي تسعى لإطار قانوني جديد لقواعدها، الضوء الأخضر لموسكو.
إن استئناف هذه الرحلات هو إعلان واضح بأن حميميم لم تعد مجرد قاعدة في سوريا، بل هي "المركز العملياتي الرئيسي" لروسيا لربط نفوذها في المتوسط بعمقها الاستراتيجي في إفريقيا، بدءاً من دعم حفتر في ليبيا.
قمة "الشرع-بوتين" في موسكو: سوريا تطلب تسليم الأسد والأموال المنهوبة.. وروسيا تتمسك بالقواعد الاستراتيجية
في خطوة وصفت بـ "المحورية" لإعادة تشكيل العلاقات الثنائية بعد إسقاط النظام البائد، وصل الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع صباح اليوم إلى موسكو في أول زيارة رسمية له إلى روسيا الاتحادية، حيث أجرى مباحثات معمقة مع نظيره الروسي، الرئيس فلاديمير بوتين.
وتأتي الزيارة، التي سبقتها اتصالات وزيارات لوفود رفيعة المستوى من كلا البلدين، لترسم خريطة طريق جديدة لعلاقة استراتيجية معقدة بين دمشق وموسكو.
جوهر المطالب السورية والروسية
تكشف الزيارة عن تباين واضح في الأولويات، رغم إطار التعاون المعلن. فبحسب الباحث في مركز جسور للدراسات، محمد سليمان، تطالب دمشق حليفتها التاريخية روسيا بعدة مطالب حاسمة:
تسليم الرئيس المخلوع بشار الأسد وإعادة الأموال المنهوبة والمجمدة في روسيا لتوظيفها في خدمة الشعب السوري.
مراجعة جميع الاتفاقيات والعقود التي أبرمها النظام السابق مع موسكو.
دور روسي أكبر في الحد من الاعتداءات الإسرائيلية ووقف دعم إسرائيل للجماعات المسلحة جنوباً.
تأمين الأمن الغذائي عبر تجديد عقود استيراد القمح وتفعيل استثمارات الفوسفات.
في المقابل، تؤكد روسيا على أهمية بقاء سوريا كـ "حليف جيوسياسي مهم"، يضمن لها الوصول إلى المياه الدافئة في المتوسط ويعزز موقعها أمام الناتو.
وتتمثل أبرز نقاط الأجندة الروسية، كما يشير سليمان، في:
ضمان بقاء وتطوير القواعد العسكرية الروسية الاستراتيجية في الساحل السوري (حميميم وطرطوس).
زيادة التعاون في مجالات التسليح وإعادة بناء منظومة الدفاع السورية.
رفع حجم التبادل التجاري والمشاركة الفعالة في مشاريع إعادة الإعمار لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي.
مصالح متقاطعة وتحديات كبرى
يُعد هذا اللقاء مفصلياً لأنه يضع العلاقة بين الطرفين على محك البراغماتية، فبينما تسعى القيادة السورية الجديدة لـاسترداد ثروات الشعب ومحاسبة رموز النظام السابق، تعمل موسكو على تكييف نفوذها لضمان مصالحها الحيوية في المتوسط.
وقد أكدت رسالة بعث بها الرئيس بوتين للشرع، وفقاً للكرملين، "دعم بلاده للقيادة السورية في جهودها لتحقيق الاستقرار"، مشدداً على استعداد موسكو لتطوير التعاون العملي، مع الإشارة إلى أهمية الحفاظ على "سوريا موحدة وصديقة".
الجانب الأكثر تعقيداً في المفاوضات هو ما كشفت عنه تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر مطلعة لـ"وول ستريت جورنال" بأن بوتين قد رفض تسليم بشار الأسد، رغم المطالبة السورية به.
وهذا الرفض، إذا تأكد، يمثل عقبة كبيرة أمام تطبيع كامل للعلاقات، ويثبت أن النفوذ الروسي في دمشق لا يزال محوريًا ويحتفظ ببعض أوراق الضغط، ما يؤدي إلى تداعيات محتملة تتمثل في تأجيل حل ملف الأصول المنهوبة وإبقاء ملف الوجود العسكري الروسي في صدارة الأولويات، بغض النظر عن القيادة السورية الجديدة.
كما أن الزيارة تأتي بعد تأكيد بوتين في اتصال هاتفي سابق مع الشرع، استعداد بلاده لإعادة النظر في الاتفاقيات المبرمة مع النظام البائد، ووجوب رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، ما يفتح الباب أمام مراجعة شاملة للعقود القديمة.
"موسكو تستقبل "سوريا الجديدة": الشرع يضع ملف الأسد على طاولة بوتين في لحظة مفصلية"
وصل الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو في زيارة رسمية، ليست مجرد لقاء عابر، بل محطة تاريخية تعيد رسم ملامح العلاقة الاستراتيجية مع روسيا.
فبينما تُركز المباحثات الرسمية على تعزيز العلاقات الثنائية والمستجدات الإقليمية، تترقب الأنظار المطلب السوري الشجاع: تسليم بشار الأسد لمحاكمته بتهم جرائم حرب.
هذا الطلب يضع موسكو في اختبار أخلاقي، ويؤكد سعي سوريا الجديدة لتحقيق العدالة لأهلها.
كما تُبذل جهود حاسمة لترتيب وجود القواعد العسكرية الروسية (طرطوس وحميميم) بما ينسجم مع السيادة السورية، في خطوة لإعادة التوازن لشراكة أكد لافروف أنها "صداقة غير انتهازية" مع دمشق.
إنها زيارة ترسم مسار المستقبل بين الصديق القديم والوطن الذي يلملم جراحه.
قمة مفصلية في موسكو: الشرع وبوتين يفتحان ملف الأسد ومستقبل الوجود الروسي
تترقب المنطقة ما ستسفر عنه قمة موسكو بين الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره فلاديمير بوتين، التي انطلقت اليوم الأربعاء، لتطوير عمق العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين الصديقين.
لا تقتصر المحادثات على التعاون المعتاد، بل تحمل في طياتها ملفات حساسة ومفصلية؛ فإلى جانب استمرار وجود القواعد العسكرية الروسية في طرطوس وحميميم، سيطالب الشرع رسمياً بتسليم رئيس النظام المخلوع بشار الأسد لمحاكمته.
هذه الزيارة تؤكد تحولاً في المشهد، حيث تؤكد روسيا على شراكة "صداقة غير انتهازية" ومرونة في استغلال قواعدها لأغراض إنسانية، ما يرسم آفاقاً جديدة للمنطقة.
روسيا تتطلع لـ "أسس جديدة" في علاقاتها مع سوريا بعد سقوط الأسد.. وتُحذّر من مخاطر "انفصال الأكراد"
تتجه الأنظار نحو مستقبل العلاقات الروسية-السورية وسط مؤشرات متزايدة على استعداد الطرفين لإعادة صياغة أسس هذه الشراكة في أعقاب سقوط نظام الرئيس بشار الأسد.
وفي تصريحات لافتة، أكد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، يوم الخميس الماضي (في مقابلة تلفزيونية)، على أن بلاده تدعم وحدة الأراضي السورية، مبدياً في الوقت ذاته قلقاً بالغاً من أي مساعي انفصالية كردية.
وحدة سوريا خط أحمر ومساعي جديدة في العلاقات
شدد لافروف على أن وحدة سوريا تمثل مصلحة عليا لجميع الأطراف الفاعلة، محذراً من أن "إذا أدت محاولات الأكراد السوريين في الحكم الذاتي والانفصال إلى نتائج ملموسة، فقد تتفجر مشكلة الأكراد في جميع دول المنطقة الأخرى، وهذا يشكل مخاطر جسيمة".
في إشارة واضحة إلى عمق التداعيات الإقليمية المحتملة لأي تقسيم أو انفصال.
في سياق متصل، كشف لافروف عن توجيه دعوة رسمية للرئيس أحمد الشرع لزيارة موسكو، مؤكداً على أن روسيا حافظت على "علاقات صداقة غير انتهازية" مع سوريا.
كما أشار إلى ضرورة "إعادة صياغة مهام وجود القواعد العسكرية الروسية في سوريا"، مقترحاً تحويل جزء منها، كإنشاء "مركز للمساعدات الإنسانية في المرفأ والمطار"، لخدمة السوريين وجيرانهم.
براغماتية الكرملين وتحديات دمشق الجديدة
تُظهر تصريحات لافروف براغماتية روسية واضحة ورغبة في المحافظة على دور رئيسي ونفوذ استراتيجي في سوريا الجديدة بعد التغيير الجذري، لا سيما الإبقاء على قواعدها العسكرية على المياه الدافئة (طرطوس وحميميم) التي تمثل ركيزة للسياسة الخارجية الروسية في المنطقة.
يمثل هذا التوجه محاولة للبحث عن أرضية مشتركة مع القيادة السورية الجديدة، تقوم على الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة، بعد سنوات من الدعم غير المشروط للنظام السابق الذي خلق إرثاً ثقيلاً من النقمة الشعبية بسبب استخدام روسيا للفيتو (18 مرة) وتبريرها لانتهاكات النظام.
ومع ذلك، يواجه هذا التقارب تحديات جمة. فبالرغم من إشارات الرئيس الشرع الإيجابية حول "المصالح المرجوة" من التعاون مع روسيا، لا يمكن الجزم بمدى رغبة وقدرة دمشق الجديدة على بناء علاقات قوية مع موسكو، خاصة وأن الإدارة الأميركية (إدارة ترمب) تُظهر تفضيلاً لـ تنسيق مع تركيا وإسرائيل في ملفات التسوية الإقليمية، مما يقلص من فعالية الدور الروسي.
كما أن انخراط روسيا في حرب أوكرانيا قد يصعّب تلبية الطلب السوري على الأسلحة النوعية وقطع الغيار.
الأهم داخلياً هو إقناع السوريين بجدوى تطبيع العلاقات مع دولة لعبت دوراً محورياً في دعم النظام السابق، وهو ما يطرح تحديات أخلاقية وجدلية حول ملفات العدالة الانتقالية وتسليم المجرمين.
يبدو أن مستقبل العلاقات مرهون بقدرة الطرفين على تجاوز إرث الماضي الثقيل وتلبية متطلبات دمشق الجديدة، التي ترغب في إرسال رسائل لواشنطن وبروكسل حول وجود "خيارات أخرى" لدعم إعادة الإعمار وتحسين الاقتصاد.
تعزيزات حميميم تُرسي ثقلها في طرطوس بالتزامن مع حوار موسكو
تُرسل روسيا رسالة عميقة بتحريك رتل عسكري ضخم يضم دبابات وآليات ثقيلة من حميميم نحو طرطوس، مرجّحةً تعزيز قاعدتها البحرية الحيوية كمنفذ استراتيجي بالمتوسط.
هذا التحرك، المتزامن مع زيارة وفد عسكري سوري رفيع إلى موسكو، يشير إلى تعميق التنسيق والتركيز على الأصول الاستراتيجية الروسية في سوريا، مؤكداً ثقلها الجيوسياسي.







.jpg)

