زلزال سياسي في "قلب الرأسمالية": زهران ممداني، الاشتراكي المسلم، يفوز برئاسة بلدية نيويورك في انتصار تاريخي
يأتي هذا الانتصار، الذي وُصف بالدامغ، في أكبر مدينة أمريكية تُعد "درة تاج الرأسمالية"، كانعكاس مباشر لحالة السخط الشعبي المتنامي جراء تلاشي الطبقة الوسطى وارتفاع تكاليف المعيشة واحتدام الأزمات الاقتصادية.
قاد ممداني، وهو شاب مسلم مدعوم بقوة من الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، حركة جماهيرية تحدت مراكز المال والسلطة. وقد نجح في تحقيق نصر شامل في جميع ضواحي نيويورك، من برونكس إلى بروكلين ومانهاتن، متفوقًا بفارق شاسع على أقوى منافسيه، الحاكم الديمقراطي السابق أندرو كومو، الذي ترشح كمستقل بدعم من مليارديرات وحتى من الرئيس الجمهوري نفسه.
ارتكزت حملة ممداني، التي اعتمدت على جيش ضم أكثر من مئة ألف متطوع، على وعود جريئة لامست هموم الناخبين مباشرةً. تعهد العمدة الجديد بتخفيض الإيجارات لنحو مليوني مستأجر، وتوفير رعاية أطفال مجانية للأمهات العاملات، ومواصلات عامة مجانية، ومحاسبة "أصحاب العقارات المستغلين"، وإنهاء ما وصفه بـ"ثقافة الفساد" التي سمحت لأمثال ترمب بالتهرب الضريبي.
في خطاب النصر الناري الذي ألقاه (متى: غداة الفوز، 5 نوفمبر)، والذي ذكّر بقوة خطابات أوباما الحماسية، لم يتردد ممداني في تحدي خصومه. موجهاً رسالة مباشرة للرئيس دونالد ترمب: "ركز وانتبه". كما أكد بفخر على هويته التي استُخدمت لمهاجمته، قائلاً: "نعم، أنا مسلم، وديمقراطي اشتراكي، وأعتز بذلك"، متعهداً بأن نيويورك ستظل "مدينة المهاجرين".
لا يمثل هذا الفوز مجرد استفتاء على الوضع الراهن أو تحديًا لسلطة ترمب فحسب، بل هو زلزال داخلي عنيف في الحزب الديمقراطي ذاته. يُنظر إلى نجاح ممداني على أنه تقوية لشوكة "الاشتراكيين الديمقراطيين" (بقيادة بيرني ساندرز وأليكسندريا أوكاشيو كورتيز) في مواجهة "الحرس القديم" المتردد في تبني تغييرات جذرية أو المساس بـ"المحرمات" كانتقاد إسرائيل أو معاداة رأس المال.
ورغم أن فوز ممداني قد يُنعش آمال الديمقراطيين بعد هزائمهم الأخيرة، إلا أنه يمنح الجمهوريين سلاحًا قويًا لاستخدامه دعائيًا في الانتخابات القادمة. ويبقى الخطر الحقيقي على مشروع ممداني كامنًا في الجبهة الداخلية لحزبه، حيث سيحتاج لتنفيذ أجندته الطموحة إلى موافقة أجهزة الولاية التي لا تزال القوى التقليدية تسيطر عليها، خاصة فيما يتعلق بزيادة الضرائب على الأثرياء.
إن نجاح ممداني أو إخفاقه في السنوات الأربع القادمة لن يحدد مستقبل نيويورك فقط، بل قد يكتب شهادة ميلاد اليسار الاشتراكي التقدمي في الولايات المتحدة، أو يساهم في وأده في مهده.
ردود الأفعال السياسية
رصدنا ردود أفعال متباينة على فوز ممداني، تعكس الانقسام الحاد في المشهد السياسي:
الجناح التقدمي (داعم):
السيناتور بيرني ساندرز: أكد أن "العمدة ممداني لن يمثل طبقة المليارديرات بل الطبقة العمالية الكادحة".
النائبة أليكسندريا أوكاشيو كورتيز: رأت أن القوى التي تحداها ممداني "هي نفس قوى التسلط المدعومة بالفساد" التي تواجهها الحركة التقدمية على مستوى البلاد.
الرئيس دونالد ترمب (معارض بشدة):
عشية الانتخابات، حث ترمب الجمهوريين على التصويت للمرشح المستقل أندرو كومو (وليس لمرشح حزبه).
وصف ترمب اليهود الذين صوتوا لممداني بـ "الأغبياء".
الحرس القديم (الحزب الديمقراطي):
الرئيس السابق باراك أوباما: لم يتصل بممداني إلا قبل أيام قليلة من الانتخابات ولم يجاهر بدعمه.
زعيم الأقلية بمجلس الشيوخ تشاك شومر: (الذي يمثل نيويورك) أحجم عن دعم ممداني.
زعيم الأقلية بمجلس النواب حكيم جيفريز: قلل من أهمية "ظاهرة ممداني"، مستبعدًا أن يشكل تيارُه مستقبل الحزب
سقوط "التفاحة الكبيرة": صدمة في إسرائيل بعد فوز ممداني... وليبرمان يدعو يهود نيويورك للهجرة فوراً
بكلمات تعكس عمق الصدمة والقلق، وصفت نائبة وزير الخارجية الإسرائيلية انتخابه بأنه "مقلق للغاية" نظراً لما وصفته بـ"تاريخه المعادي لليهود".
لكن أفيغدور ليبرمان كان الأكثر حدة، معلناً سقوط "التفاحة الكبيرة" بيد رجل وصفه بـ"الشيعي الإسلامي" و"الوجه الدعائي للجهاد الصامت".
هذا الشعور بالخطر الوجودي لخصه إيتمار بن غفير باعتباره "انتصاراً لمعاداة السامية على المنطق السليم".
لم يعد الأمر سياسة، بل أصبح نداءً وجودياً؛ حيث استغل ليبرمان وعضو الكنيست أوهاد طال هذه اللحظة، التي وصفاها بـ"جرس إنذار"، لتوجيه دعوة صريحة ليهود أمريكا للهجرة إلى إسرائيل، مؤكدين أن أبواب "وطنهم الحقيقي" مفتوحة لهم أمام ما يرونه انتصاراً لـ"القوى التقدمية المستيقظة".
نيويورك: الاشتراكي المهاجر زهران ممداني يفوز بالعمودية ويتعهد باعتقال نتنياهو!
"عليك أن تمر بنا جميعاً": عمدة نيويورك المهاجر زهران ممداني يُعلنها مواجهة مفتوحة مع ترامب!
من هيوستن إلى دبي فنيويورك: راما دواجي.. السيدة الأولى التي ترسم "فلسطين"
"الشيوعي المهووس" أم صوت التغيير؟ ترامب يشن حرباً شاملة على ممداني.. ونيويورك تتحدى
هجوم ترامب الأخير، الذي وصف فيه ممداني بأنه "شيوعي" بل "أبعد عن الفكر الاشتراكي"، ليس زلة لسان، بل هو تصعيد متعمد لحملة تحريض يواجهها ممداني بشجاعة لافتة.
فبدلاً من الانكفاء، اختار ممداني مخاطبة الناخبين العرب باللغة العربية، في رسالة تحدٍ واضحة. الخطورة هنا تتجاوز التنابز بالألقاب؛ فترامب يلوّح بتهديد مدمر: "قطع التمويل الفيدرالي" عن المدينة.
لكن نيويورك، على ما يبدو، ترفض الخضوع للابتزاز. فاستطلاعات جامعة كوينيبياك تمنح ممداني تقدماً مريحاً بنسبة 43% مقابل 33% لأندرو كومو. دعوة ممداني للتصويت المبكر مع وعده بالإصلاحات، لا تبدو كأنها مجرد مناورة انتخابية، بل كأنها رهان على أن نبض المدينة ورغبتها في التغيير أقوى من تهديدات الرئيس.

.jpg)


