حرية ومسؤولية
في مشهد يُعيد رسم ملامح الخريطة السياسية السورية، كشفت متابعات Syria11News، استنادًا إلى تقارير محلية بينها ما رصده موقع "ألترا سوريا"، عن استمرار جزئي لنشاط عدد من أحزاب "الجبهة الوطنية التقدمية"، وتحديدًا اليسارية منها، وذلك رغم القرار الرسمي الصادر عن سلطات العهد الجديد والقاضي بحلّها جميعًا.
فبينما تم تفكيك حزب البعث، الحاكم المطلق لعقود، بشكل شبه كامل، اختارت أحزاب تاريخية أخرى، مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي، تحدي قرار الحل الصادر عن "مؤتمر انتصار الثورة السورية" في 25 كانون الثاني/يناير 2025، معتبرة إياه "جائرًا" ومتناقضًا مع وعود الحرية السياسية.
تعاملت السلطات الجديدة بحزم مع تركة "البعث".
فبعد ثلاثة أيام فقط من سقوط النظام، دُعي أعضاء الحزب لتسليم أسلحتهم، ليتبع ذلك قرار الحل الرسمي.
الأهم كان القرار رقم 53 الصادر عن وزارة الخارجية، والذي نص على "توظيف أصول حزب البعث وأحزاب الجبهة" لخدمة المهام الوطنية.
وعلى أرض الواقع، تحولت معظم المقرات الحزبية الرئيسية، كما في درعا وحلب، إلى مكاتب لـ "إدارة الشؤون السياسية"، وهو جهاز حكومي جديد يُعتقد أنه سيشرف على النشاط السياسي في المرحلة الانتقالية.
وفي خطوة لافتة، أعلن وزير التعليم العالي في شباط/فبراير الماضي، تحويل مقر الحزب في السويداء إلى فرع لجامعة دمشق، بينما تحولت مقرات أخرى في الساحل، بمبادرات أهلية، إلى مراكز ثقافية واجتماعية.
يُظهر هذا التباين في المصير إشكالية أساسية تواجه الإدارة الجديدة. فبينما نجحت في تفكيك الهيكل الصلب للنظام القديم (البعث)، فإنها تواجه الآن أول اختبار حقيقي لوعودها بضمان "حرية العمل السياسي".
إن رفض هذه الأحزاب اليسارية للحل لا يمثل فقط تمسكًا بوجودها القانوني، بل هو تحدٍ مباشر لسلطة "مؤتمر النصر" وتفرده بالقرارات المصيرية.
هذه الأحزاب، التي تحالفت مع "البعث" لكنها لم تكن جزءًا منه، تحاول اليوم رسم "خط أحمر" خاص بها، مطالبةً بمكان على طاولة سوريا الجديدة، ورافضةً أن يقرر الآخرون مصيرها بالنيابة.
لم يكن الرفض صامتًا.
الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي رفض بيان "مؤتمر النصر" سابقًا، أكد قيادي فيه، طارق الأحمد، في تصريحات صحفية، الرفض المطلق للقرار "الجائر"، ملمحًا في الوقت ذاته إلى إمكانية المشاركة في الحكومة الانتقالية "إذا دُعي لذلك" وبعيدًا عن المحاصصة.
على الجبهة الشيوعية، لا يزال الحزب الشيوعي الموحد يصدر جريدته "النور" ويحدّث موقعه الرسمي، واصفًا القرار بأنه "يتناقض مع الوعود بعدم التفرد بالسلطة".
أما الموقف الأكثر تحديًا فجاء من الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي (من خارج الجبهة)، الذي يستمر في إصدار جريدة "المسار".
وأكد الحزب في بيان أن تاريخه الممتد لمئة عام "لن يخضع لهذا القرار الجائر"، مضيفًا في تحدٍ صريح: "نحن الشيوعيين السوريين لا نهاب القمع والملاحقات".
وتطور هذا الموقف مؤخرًا بمشاركة الحزب في بيان صادر عن "هيئة التنسيق الوطنية" المعارضة، اعتبر أن انتخابات مجلس الشعب الجديد "لا تعبر عن الإجماع الوطني السوري".
على الصعيد المحلي، لم تكن كل القوى رافضة للقرار.
فقد أظهر بحثنا أن جماعة "الإخوان المسلمين" في سوريا كانت من أبرز الداعمين، حيث أعربت عن دعمها الصريح لحل حزب "البعث" وأحزاب "الجبهة الوطنية"، معتبرة ذلك خطوة ضرورية في تفكيك بنية النظام السابق.
دوليًا، لم تصدر مواقف محددة حول "حل الأحزاب اليسارية" بحد ذاتها، لكن المواقف العامة (الأمريكية والأوروبية) رحبت بمجمل خطوات المرحلة الانتقالية وتفكيك مؤسسات النظام السابق، مع التركيز على حماية الأقليات وضمان عملية سياسية شاملة.
ويبقى المشهد مفتوحًا على تساؤلات حول مدى سماح السلطات الجديدة بهامش للمناورة لهذه الأحزاب التاريخية، أم أن قرار "الحل" سيكون نهائيًا وبقوة الأمر الواقع.