حرية ومسؤولية
فبدلاً من التركيز على الوزراء، يتجه "مركز القادة" السوري إلى "رؤساء الأقسام"، الموظفين الذين يواجهون المواطن يومياً في قطاعات الخدمة المنهكة (الصحة، التعليم، النقل، الطاقة).
إن إرسالهم إلى "معهد الإدارة العامة" العريق في عمّان لمدة 10 أيام (90 ساعة) ليس صدفة؛ إنه "استيراد" لأبجديات الحوكمة والتخطيط وإدارة المخاطر التي مُحيت في سنوات الفوضى.
إنها "المرحلة الأولى" الحاسمة لبناء دولة مؤسسات جديدة، تبدأ من "المدير" الذي يدير الفريق، وليس فقط من "الوزير" الذي يصدر الأوامر.
ففي كلماتٍ هي الأكثر إيلاماً وواقعية، لخص الوزير محمد حسان السكاف مأساة الإدارة السورية حين قال: "أنهينا مرحلة التأسيس ونبدأ التطبيق العملي".
لقد اعترفت دمشق بأنها كانت غارقة في "الرؤى" و"النصوص" دون "عمل ميداني" ملموس.
تأتي منصة "واكِب" (التي يعني اسمها "مواكبة") لتكون "السوط الرقمي" لضمان عدم ضياع الخطط في الأدراج.
إنها أداة لفرض "نتائج قابلة للقياس". لكن التحدي الحقيقي، كما اعترف الوزير بجرأة، ليس في التكنولوجيا، بل في العنصر البشري؛ فالرهان ليس "على الهياكل"، بل على "مديري التنمية" في الميدان.
إنها محاولة جريئة لتحويل البيروقراطية المتجذرة من عبء إلى محرك، يلمس المواطن نتائجه أخيراً.
شهد المشهد الإداري تحولًا مفصليًا بإصدار الرئيس أحمد الشرع للمراسيم (199 و 200 و 201 لعام 2025)، التي ألغت إسناد وظائف حساسة لثلاثة معاوني وزراء.
هذه الموجة غير المسبوقة بدأت بإعفاء المهندس فرحات عبد الله من معاونة وزير النفط، في إشارة واضحة لإعادة تقييم إدارة الثروات الحيوية.
تلاها إنهاء تكليف المهندس جهاد كنعان من الموارد المائية، مما يفتح الأبواب لاستراتيجيات مائية أكثر تكيّفًا مع التغيرات المناخية.
وتوجت القرارات بإعفاء المهندس أدهم بلان من معاونة وزير الكهرباء، ما يُنبئ بتحول في ملفات بحوث الطاقة والجودة.
هذه القرارات المتسارعة ليست مجرد تغييرات روتينية، بل هي رسالة حاسمة من الرئاسة لضخ دماء جديدة وتوحيد الرؤى نحو تعزيز الكفاءة الحكومية وتحقيق انطلاقة اقتصادية شاملة ينتظرها المواطنون بشغف وأمل.
يسمح نظام التوظيف الداخلي للموظفين الدائمين بالانتقال إلى وظائف شاغرة في جهات حكومية أخرى، وذلك بعد الحصول على موافقة جهات عملهم الأصلية. هذا الإجراء يأتي ضمن استراتيجية أوسع لضمان توزيع عادل للكوادر البشرية، ومنع الترهل الإداري الذي كان سمة مميزة في عهد النظام السابق.
ويهدف النظام الجديد إلى تحسين كفاءة القطاع العام وتسريع تلبية احتياجاته من الموظفين الموجودين بالفعل، مما يقلل من الحاجة إلى التوظيف الخارجي، ويشجع الموظفين على تطوير مهاراتهم والمساهمة بفاعلية في عملية بناء الدولة الجديدة.