هل تنجح "الجراحة النقدية" في إنعاش الاقتصاد؟
مع بزوغ فجر عام 2026، دخلت سوريا منعطفاً اقتصادياً وتاريخياً حاسماً بإطلاق العملة الجديدة التي خلت من صور الرموز السابقة، واعتمدت آلية حذف الصفرين (كل 100 ليرة قديمة تعادل ليرة واحدة جديدة). هذا الإجراء وضع الخبراء أمام قراءتين متباينتين؛ فبينما يراه البعض جسراً نحو نهضة شاملة، يعتبره آخرون إجراءً تقنياً بصبغة نفسية لترسيخ "القطيعة" مع الماضي.
الرؤية والتحليل الاقتصادي لعملية الإصلاح النقدي
تتأرجح القراءات الاقتصادية حول هذه الخطوة بين التفاؤل بجدواها الإجرائية والحذر من محدودية أثرها الهيكلي، وذلك وفق الآتي:
1. تيار دعم الإصلاح (المنظور الإيجابي)
يرى هذا الاتجاه أن الخطوة تمثل ضرورة حتمية لعدة أسباب:
استعادة الهيبة النقدية: إعادة الاعتبار لليرة السورية كرمز للسيادة المالية وتخفيف الاعتماد النفسي على العملات الأجنبية.
تسهيل الدورة المالية: معالجة عبء "المعاملات الثقيلة" وتقليل التكاليف اللوجستية لنقل وعدّ وتخزين المبالغ الضخمة، مما ينعكس إيجاباً على سلاسة التبادل التجاري اليومي.
التهيئة الاستثمارية: خلق بيئة نقدية أكثر استقراراً ووضوحاً لجذب الاستثمارات في مرحلة ما بعد "قانون قيصر"، مما يعطي إشارة للأسواق الدولية ببدء مرحلة التعافي التنظيمي.
2. التحفظ التقني والتحليل الهيكلي (المنظور النقدي)
ينظر هذا التيار إلى الخطوة بحذر، معتبراً إياها إجراءً "تجميلياً" للأعراض لا للمرض:
غياب العلاج الجذري: يرى المحللون أن تغيير فئات العملة أو حذف الأصفار لا يعالج التضخم بنيوياً، إذ يظل التضخم نتيجة لضعف الإنتاج واختلال ميزان المدفوعات.
شرط الإنتاج الحقيقي: تظل الفائدة من هذه الخطوات محدودة ما لم تقترن بدوران عجلة الإنتاج المحلي، وتحفيز القطاعات الصناعية والزراعية.
ضرورة الإصلاح الشامل: التأكيد على أن استقرار العملة يتطلب حزمة متكاملة تشمل الإصلاح المالي، وضبط السياسة النقدية، وتفعيل الرقابة، بدلاً من الاعتماد على الحلول الشكلية فقط.
التحديات والفرص في المرحلة الانتقالية:
تبسيط الحسابات: إنهاء معاناة المواطنين في التعامل مع كتل نقدية ضخمة؛ فالسلعة التي كان سعرها 10,000 ليرة ستصبح بـ 100 ليرة فقط، مما يسهل العمليات المحاسبية.
ضبط الأسعار: حذر الخبراء من استغلال التجار للمرحلة لرفع الأسعار، مؤكدين أن الرقابة التموينية يجب أن تكون صارمة لضمان تطبيق "الحذف الرياضي" بدقة.
البعد النفسي والرمزي: تمثل العملة الجديدة هوية بصرية مختلفة تعبر عن المرحلة السياسية الحالية، وتهدف إلى تعزيز الثقة الشعبية بالعملة الوطنية.
الإنتاج هو الضمانة: يتفق الخبراء على أن استقرار القوة الشرائية للعملة الجديدة مرهون برفع مؤشر الصادرات، دعم المشاريع الصغيرة، وخلق بيئة استثمارية شفافة بعيداً عن "السياسات الوهمية".
تستمر فترة التداول المشترك للعملتين لمدة 90 يوماً، وهي مهلة اختبار حقيقية للنظام المصرفي السوري في تحديث أنظمته المحاسبية واستيعاب الكتلة النقدية الجديدة، وسط آمال شعبية بأن تكون هذه "الليرة" بداية لتعافي حقيقي يلمسه المواطن في لقمة عيشه.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحباً، من فضلك، لا ترسل رسائل عشوائية في التعليقات