حرية ومسؤولية
في خطوة تحمل أبعاداً أمنية وخدمية هامة، أعلنت وزارة الداخلية السورية رسمياً بدء إشرافها الأمني على مطار القامشلي الدولي بمحافظة الحسكة.
هذا التطور يأتي تتويجاً لتفاهمات بين الحكومة و"قوات سوريا الديمقراطية"، ليعيد المطار إلى خارطة العمل الرسمي بعد فترة من التجاذبات العسكرية والسياسية.
لم يكن الإعلان مجرد بيان ورقي، بل تُرجم على الأرض بوصول وفود فنية وهندسية من الهيئة العامة للطيران المدني، محملة بالمعدات والوسائل اللوجستية اللازمة لإعادة إحياء هذا الشريان الجوي.
الخطة الحكومية تبدو واضحة المعالم؛ حيث تسابق الفرق الزمن لوضع المطار في الخدمة الفعلية خلال شهر آذار المقبل، بعد الانتهاء من عمليات الصيانة التقنية وإعادة ربطه بالشبكة الوطنية.
يأتي هذا التحرك بعد انسحاب القوات الروسية التي اتخذت من المطار قاعدة لها لسنوات، وهو ما يفتح الباب أمام عودة الرحلات المدنية وتخفيف أعباء السفر عن أهالي المنطقة الشرقية الذين عانوا من انقطاع الخدمات الجوية منذ أواخر عام 2024.
إن عودة مطار القامشلي ليست مجرد استلام لمنشأة، بل هي خطوة نحو استقرار النقل والربط الجوي بين أطراف البلاد.
تُظهر التحركات العسكرية الروسية الأخيرة في شمال شرق سوريا، وتحديدًا في محيط مطار القامشلي، نية موسكو في تعزيز نفوذها وتثبيت نفسها كلاعب رئيسي في المنطقة. لم تقتصر هذه التحركات على زيادة عدد الدوريات العسكرية، بل شملت أيضًا تحديثات واسعة داخل القاعدة الروسية في المطار، مثل تركيب منظومات دفاع جوي، وإعادة توزيع المروحيات والرادارات، ونقل كميات كبيرة من الذخيرة والإمدادات. هذه الإجراءات ليست مجرد إعادة تموضع اعتيادية، بل هي خطوة استراتيجية تهدف إلى تأكيد الحضور الروسي الفعّال في منطقة حساسة تشهد تداخلًا لمصالح قوى دولية وإقليمية كبرى.
تُرسل هذه التحركات رسائل متعددة إلى أطراف مختلفة. إلى تركيا، تُعتبر محاولة لإحياء اتفاق "سوتشي" لعام 2019، الذي ينص على تسيير دوريات روسية مشتركة ومنفردة على الحدود السورية-التركية، ما قد يمهد لمرحلة جديدة من المفاوضات حول مستقبل المنطقة. أما إلى الولايات المتحدة، فتمثل هذه التحركات استعراضًا للقوة الروسية، وتأكيدًا على قدرتها على ملء أي فراغ محتمل في حال تقليص الوجود الأمريكي. إن هذه الخطوات الروسية تحمل أبعادًا سياسية وجيوسياسية تتجاوز الجانب الأمني، وتُشير إلى أن موسكو تعتزم البقاء كضامن للتوازنات في شمال شرق سوريا.
في خطوة تتجاوز البروتوكولات الدبلوماسية، يبدو أن روسيا في صدد إعادة تثبيت حضورها في سوريا بعد انسحابها الجزئي إثر سقوط النظام السابق. وقد أكد نائب رئيس الوزراء الروسي، ألكسندر نوفاك، خلال زيارته الأخيرة لدمشق، أن موسكو مستعدة لاستثمار علاقاتها للمساعدة في "دعم الاستقرار في البلاد وتجنب الفوضى".
وبالإضافة إلى البعد الداخلي، تسعى روسيا للعب دور الوسيط بين إسرائيل وتركيا، خاصة في ظل التوتر المتصاعد بسبب توسع النفوذ التركي في الأراضي السورية. وتشير المصادر إلى أن موسكو عرضت على الحكومة الانتقالية في دمشق المساعدة في إدارة ملف الجنوب السوري، بهدف منع المزيد من الاحتلال الإسرائيلي، والحد من أي مخططات انفصالية.
وفي الشمال الشرقي، بدأت روسيا تستعيد تدريجياً حضورها العسكري في مطار القامشلي، حيث عادت الدوريات البرية والجوية إلى المنطقة، في محاولة لمنع التصعيد مع "قسد". وقد تكون هذه التحركات منسقة مع أنقرة بهدف إحياء "اتفاق سوتشي"، كما يُرجّح أن تلعب موسكو دور الوسيط بين الحكومة الانتقالية و"قسد" في إطار اتفاق 10 آذار. هذه التحركات الروسية المكثفة تؤكد أن موسكو لن تسمح بوجود فراغ في سوريا، وأنها ستعمل على ضمان استقرار البلاد وفق رؤيتها.