حرية ومسؤولية
في مقطعه المصور الأخير، قدم الصحفي يوسف الشريف تحليلاً مثيراً للجدل حول التطورات السياسية في تركيا، رابطاً الأزمة الداخلية لحزب الشعب الجمهوري (CHP) بمساعي الحكومة لتعديل الدستور، ليخلص إلى نظرية تفيد بوجود "مخطط" لتغيير نظام الحكم نحو المحاصصة العرقية والطائفية لضمان بقاء الرئيس أردوغان في السلطة.
ورغم الجاذبية التي تحظى بها "نظريات المؤامرة" في التحليل السياسي، إلا أن تفكيك السردية التي طرحها الشريف ومقاربتها مع واقع الديناميكيات السياسية والمؤسسية في تركيا، يكشف عن فجوات جوهرية في هذا التحليل، ويضعنا أمام قراءة تميل إلى التهويل وتجاهل الحقائق الصلبة للدولة التركية.
أزمة المعارضة: صراع أجنحة أم هندسة حكومية؟
يبني الشريف حجته الأولى على أن التدخل القضائي الأخير في انتخابات حزب الشعب الجمهوري هو أداة بيد السلطة لهندسة زعامة المعارضة وإعادة كمال كليجدار أوغلو. هذا الطرح يتجاهل تماماً الانقسام العضوي والعميق داخل أروقة الحزب.
لقد بنى كليجدار أوغلو على مدار 13 عاماً شبكة نفوذ معقدة داخل الهيكل الحزبي، ومن الطبيعي أن يقاوم "الحرس القديم" القيادة الشابة المتمثلة في أوزغور أوزال وأكرم إمام أوغلو.
أما الاحتكام إلى القضاء الجنائي في قضايا يُدعى فيها وجود "رشى مالية" فهو مسار قانوني مألوف.
إن تصوير هذا الحراك الداخلي كـ "مؤامرة حكومية" يسلب المعارضة إرادتها ويصورها ككيان مسلوب الفاعلية، متجاهلاً الحقيقة الأهم: الطعون خرجت من عباءة الحزب نفسه ومن بين قياداته، وتصفية الحسابات هذه هي صنيعة المعارضة لا الحكومة.
أسطورة المحاصصة: صدام مع ثوابت الدولة والتحالف الحاكم
تذهب سردية الشريف بعيداً حين تفترض وجود مشروع حكومي لتعديل الدستور يشمل نواباً للرئيس على أسس عرقية (كردية) وطائفية (علوية). هذه الفرضية تصطدم بشكل مباشر بجدار التحالف الحاكم نفسه.
الشريك الاستراتيجي والأساسي لأردوغان هو "حزب الحركة القومية" (MHP) بزعامة دولت بهتشلي، وهو الحزب الذي يضع "الدولة القومية الموحدة" كخط أحمر لا يقبل المساومة، ويرفض قطعياً أي شكل من أشكال الفدرالية أو المحاصصة العرقية.
علاوة على ذلك، فإن البنية التأسيسية للدولة التركية ووجدانها السياسي يرفضان تماماً استنساخ النماذج الطائفية (كالنموذج اللبناني أو العراقي).
الترويج لمشروع يقسم تركيا عرقياً وطائفياً يتعارض كلياً مع الخطاب الرسمي والتحالفات القائمة التي ترتكز على مبدأ "دولة واحدة، علم واحد، أمة واحدة".
الدستور الجديد: استحقاق مدني وليس خطة سرية
يصور الشريف مساعي تغيير الدستور وكأنها مؤامرة مخفية للبقاء في السلطة. في الواقع، تغيير دستور عام 1982 (دستور الانقلاب العسكري) واستبداله بدستور مدني حديث، هو هدف استراتيجي علني لحزب العدالة والتنمية منذ سنوات طويلة، وليس خطة وليدة اللحظة.
تستمد القيادة التركية شرعيتها من الصناديق الانتخابية التي تشهد المعارضة قبل الموالاة بنزاهتها. فكرة اللجوء لهندسة "معارضة شكلية" عبر القضاء لتمرير دستور، تتنافى مع طبيعة البيئة السياسية التركية التنافسية، والتي تتطلب إما أغلبية برلمانية مريحة أو استفتاءً شعبياً مباشراً لا يمكن تزوير إرادته.
التهويل الاقتصادي وتوظيف "التقويم"
في محاولة لربط خيوط نظريته، يعمد الشريف إلى تفسير التطورات الاقتصادية والإدارية ضمن سياق المؤامرة. فربط صدور القرارات القضائية بمواعيد "عطلة العيد" للقول بأنها خطوة لمنع التظاهر، يتجاهل أن الجدول الزمني للمحاكم والإدارات يسير وفق تقويم سنوي روتيني.
المعارضة التركية تمتلك قدرات حشد ضخمة لم تمنعها العطلات سابقاً من التعبير عن غضبها.
أما تدخل البنك المركزي لضخ الدولار، والذي صوره الشريف كدليل على كارثة سياسية، فهو في واقعه إجراء "ماكرو-اقتصادي" اعتيادي تتخذه البنوك المركزية للسيطرة على تقلبات أسعار الصرف خلال فترات التجاذبات أو الشائعات لحماية استقرار الأسواق.
خلاصة القول
تحليل الصحفي يوسف الشريف يقع في فخ "الاستنتاج الموجه"؛ حيث يجمع أحداثاً منفصلة — كخلافات حزبية داخلية، وأهداف دستورية معلنة، وتدخلات اقتصادية دورية — لينسج منها سيناريو درامياً. إن ما يشهده حزب الشعب الجمهوري هو في جوهره مخاض داخلي ومرحلة انتقالية صعبة.
ورغم أن السلطة قد تستفيد سياسياً من تشرذم خصومها، إلا أن هذا يبتعد كل البعد عن كونه مخططاً حكومياً لنسف مؤسسات الدولة وتغيير هويتها وتقسيمها طائفياً وعرقياً.
قراءة المشهد التركي تتطلب الوقوف على الحقائق المؤسسية، لا الانجرار وراء جاذبية السرديات التآمرية.
أثار نائب حزب "الشعب الجمهوري" المعارض، حسن أوزتوركمان، الجدل مجدداً حول ملف اللجوء في تركيا، مشيراً إلى أن واحداً من كل سبعة أشخاص في مدينة غازي عنتاب هو سوري الجنسية.
وانتقد أوزتوركمان ما وصفه بـ "سياسة الهجرة غير المدروسة" للحكومة التركية، مدعياً أنها أدت إلى زعزعة الاستقرار وتسببت في توترات اجتماعية وأمنية داخل المدينة.
وأوضح النائب أن عدد السوريين في الولاية يصل إلى قرابة 336 ألف نسمة من أصل مليونين و200 ألف، معتبراً أن عودة 80 ألفاً فقط خلال عام واحد لا تكفي لحل الأزمة.
كما عقد مقارنة بين غازي عنتاب وإسطنبول، مبيناً أن الكثافة السورية في عنتاب أعلى بكثير نسبةً لعدد السكان الإجمالي، مما يضع ضغوطاً أكبر على النسيج الاجتماعي المحلي.
وتطرق أوزتوركمان إلى الحوادث الأمنية والشجارات الجماعية، معتبراً أن التحرك ضمن مجموعات كبيرة يثير القلق الاجتماعي ويصعّب عمليات الاندماج.
تأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الولايات الحدودية نقاشات حادة حول مستقبل الوجود السوري وآليات تنظيم العودة الطوعية وضبط الأمن في الأحياء ذات الكثافة العالية.
يواجه أوزيل وفريقه تهديداً مباشراً يتمثل في قرار قضائي مرتقب من المحكمة المدنية الابتدائية في أنقرة يوم 15 سبتمبر، يُتوقع أن يقضي بـ«البطلان المطلق» للمؤتمر العام الـ38 الذي عُقد في نوفمبر 2023. ويعود سبب هذا الاحتمال إلى ادعاءات بوجود مخالفات في انتخاب المندوبين.
وقدّم الحزب طلباً رسمياً إلى اللجنة العليا للانتخابات، مدعوماً بتوقيع أكثر من 900 مندوب، للحصول على موافقتها على عقد المؤتمر الاستثنائي، وهي الخطوة القانونية الوحيدة اللازمة. ويُعتبر هذا المؤتمر بمثابة درع يحمي أوزيل الذي تفوق على كليتشدار أوغلو في انتخابات رئاسة الحزب عام 2023، بعد خسارة الأخير في الانتخابات الرئاسية أمام الرئيس رجب طيب إردوغان.
هذه الخطوة ليست مجرد إجراء إداري، بل هي مناورة سياسية ودفاعية من جانب حزب «الشعب الجمهوري» لمواجهة ما يعتبره ضغوطاً قضائية وسياسية تستهدف قيادته. فبعد الفوز التاريخي للحزب في الانتخابات المحلية الأخيرة، بدأت تظهر عليه ضغوط قانونية مكثفة. قرار المحكمة في إسطنبول بوقف عمل فرع الحزب وتعيين إدارة مؤقتة، يُنظر إليه كـ«مؤشر» لما قد يحدث في أنقرة.
ردود الأفعال داخل الحزب كانت قوية، حيث صرّح مسؤولو الحزب بأن هذه الإجراءات هي «مؤامرة مدبّرة من القصر (رئاسة الجمهورية)»، وشددوا على أن المؤتمر الاستثنائي سيعيد تأكيد الشرعية والتماسك الداخلي. من جهته، أكد أوزغور أوزيل أن الإجراءات قانونية واحترازية، وأن أي قرار قضائي محتمل بتعيين وصي لن يدوم طويلاً، حيث سيعود القرار للمندوبين المنتخبين في المؤتمر الجديد.